صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهديداته تجاه حلف شمال الأطلسي" الناتو" إلى مستوى غير مسبوق، حين أعلن صراحةً أنه يفكر "جديًا" في الانسحاب من الحلف الذي أسسته بلاده قبل 77 عامًا، معربًا عن "اشمئزازه" منه، ومستخدمًا عبارة "هم" بدلًا من "نحن" حين يتحدث عن الحلفاء، في إشارة لافتة إلى تحول جوهري في نظرة واشنطن لمكانتها داخل الحلف، في هذا الصدد رصدت مجلة "بوليتيكو" الأمريكية، استنادًا إلى تسعة خبراء ومحللين قانونيين ومسؤولين في الناتو، خمسة سيناريوهات واقعية قد يلجأ إليها ترامب لتقويض الحلف أو تدميره، بعضها قائم بالفعل، وبعضها الآخر لا يزال في دائرة الاحتمال.
سلاح الكلام
أشارت "بوليتيكو" إلى أن أول السيناريوهات هي عدم احتياج ترامب إلى اتخاذ أي خطوة رسمية ليُلحق الضرر بالحلف، إذ يكفي التشكيك المتواصل في المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي لزعزعة أركانه.
ووصف ترامب الحلف بأنه "نمر من ورق"، مضيفًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "يعرف ذلك أيضًا"، في حين أبدى "خيبة أمله" من الحلفاء، قائلًا: "إذا احتجت إليهم يومًا، لن يكونوا هناك".
وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن "الأحلاف كالناتو تستمد قيمتها من الثقة، وإذا شككت يوميًا في التزاماتك، فأنت تُفرغها من مضمونها".
وأوضحت الخبيرة الأمنية جيرلينده نيهوس، المسؤولة السابقة في الحلف، لبوليتيكو، أن هذه التصريحات "تُلحق ضررًا بالغًا بمصداقية الردع والدفاع"، مشيرةً إلى أن الردع يعمل نفسيًا في أذهان الخصوم، وأي تشكيك فيه يُشكّل "دعوةً مفتوحة لبوتين وشي جين بينج لاختبار الحلف".
العرقلة من الداخل
السيناريو الثاني هو تحويل الولايات المتحدة نفسها إلى عقبة داخل الحلف، مستغلةً قاعدة الإجماع المعمول بها في جميع لجان العمل. وفي هذا الصدد كشف دبلوماسيان في الناتو لبوليتيكو، أن واشنطن عطلت بالفعل تقارير تتعلق بالمناخ والأمن الإنساني، وأن العمل على الملف الأخير "وصل إلى الصفر".
وأوضح أحد الدبلوماسيين أن الولايات المتحدة "لا تزال تمتلك فريقًا متماسكًا يشارك في اللجان ويتفاوض"، لكنه حذر من أن واشنطن "قادرة على إحداث ضرر أكبر بكثير إن أرادت، عبر تعطيل اللجان المركزية المعنية بملفي أوكرانيا وروسيا".
وتمتد هذه العرقلة المحتملة لتشمل وقف دفع الاشتراكات السنوية البالغة نحو 800 مليون يورو، أي ما يعادل 15% من الميزانية المشتركة للحلف، وهو ما وصفته نيهوس بأنه سيكون "مُخلًا" لكنه "لن يكون نهاية العالم" طالما أن الحلفاء الآخرين قادرون على تعويض هذا المبلغ.
سحب القوات
تمتلك الولايات المتحدة ما بين 67 و85 ألف جندي موزعين على 31 قاعدة دائمة و19 موقعًا عسكريًا في أوروبا، غير أن قانونًا صدر عام 2025 يُلزم ترامب بالإبقاء على 76 ألف جندي على الأقل، إلا في حالة انسحاب لا يتجاوز 45 يومًا أو بموافقة الكونجرس، ما يعني أن الحد الأقصى الذي يستطيع ترامب سحبه قانونيًا لا يتجاوز نحو 9 آلاف جندي، وهو ما وصفه المحلل الدفاعي إيد أرنولد، من معهد "روسّي" بأنه سيكون "ضارًا بشكل معقول لكن ليس كارثيًا"، إذ يمكن للحلفاء الأوروبيين تعويضه بقوات مماثلة أو بقدرات بديلة كالصواريخ بعيدة المدى.
غير أن أرنولد يرى أن هذا السيناريو "غير مرجح" أصلًا، مستندًا إلى حجة عملية قوية، إذ قال لبوليتيكو: "إذا كانت واشنطن تسعى لتوسيع الحرب في الشرق الأوسط، فإن وجود القوات في أوروبا يُفيدها لأنها تستطيع تحريكها بين الجبهات بسرعة، وسحبها يعني الإضرار بعملياتها هي نفسها، فأنت تُضعف قدراتك حيث تحتاجها فعلًا".
الخروج الناعم
توضح بوليتيكو، أن الأشد خطورة في السيناريوهات هو ما يُسميه الخبراء بـ"الخروج الناعم"، الذي يبدأ بالانسحاب من دورة التخطيط العسكري الرباعية التي تُحدد حجم القوات والتجهيزات التي يجب على كل عضو تخصيصها للحلف، استنادًا إلى ثلاثة خطط دفاعية إقليمية.
وأوضح أرنولد أن هذا الانسحاب لن يُلغي التزامات الجيش الأمريكي تقنيًا، لكنه سيُجمدها عند مستوى الدورة الأخيرة المنتهية العام الماضي، مما سيُضطر الأوروبيون معه لسد ثغرات جوهرية في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والتزود بالوقود جوًا.
أما المقاطعة الكاملة للاجتماعات أو سحب الوفد الأمريكي، فستكون "مدمرة للغاية" وفق أرنولد؛ نظرًا لاشتراط الإجماع في القرارات، مما سيُشل عمل الحلف برمته.
وإن أراد ترامب التصعيد أكثر، يستطيع الاقتداء بما فعله الجنرال شارل ديجول حين انسحبت فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف عام 1966، وهو ما كررته اليونان بصورة مؤقتة عام 1974.
وفي حال تكرار هذا السيناريو أمريكيًا، فسيعني ذلك عمليًا سحب جميع القوات المنضوية تحت قيادة الحلف، وإجبار القائد الأعلى الأمريكي الجنرال أليكسوس جرينكيفيتش على الاستقالة، وهو ما سيُدمر الحلف من الداخل وفق ما أفادت به بوليتيكو.
الانسحاب الرسمي
أما الانسحاب الرسمي فهو الأكثر تعقيدًا من الناحية القانونية، إذ يستلزم تقنيًا موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، ثم انتظار سنة كاملة بعد تفعيل المادة الثالثة عشرة من ميثاق الحلف، غير أن ترامب سبق أن تجاوز مثل هذه العقبات حين انسحب منفردًا من معاهدة "السماء المفتوحة" للمراقبة الجوية المشتركة عام 2020، وقد تتصدى المحاكم لأي قرار مماثل، وإن كانت "بوليتيكو" تُشير إلى أن السلطة القضائية "كثيرًا ما تتحاشى التدخل في قرارات السياسة الخارجية".
وأشار سكوت أندرسون، المحرر الأول في مجلة "لوفير" القانونية المتخصصة، إلى أن هذا القرار سيستدعي طعونًا قضائية من ولايات أمريكية ذات توجه ديمقراطي ومن مواطنين أمريكيين يعملون في أوروبا، فضلًا عن احتمال انضمام الكونجرس إليها إذا تغيرت موازين القوى عقب انتخابات التجديد النصفي.