من المقرر أن يلقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "خطابًا للأمة"، اليوم الأربعاء، في التاسعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (الثالثة فجر غدًا الخميس بتوقيت القاهرة) لتقديم آخر المستجدات حول حربه مع إيران. ومن المتوقع أن "يعرب عن اشمئزازه" من حلف شمال الأطلسي (الناتو) لما يعتبره افتقار الحلف للدعم لأهداف الولايات المتحدة في إيران، وفقًا لـ"رويترز".
وصرّح الرئيس الأمريكي للوكالة بأنه يدرس "بجدية" محاولة سحب الولايات المتحدة من التحالف. وقال: "لم يكونوا أصدقاءً عندما احتجنا إليهم. لم نطلب منهم الكثير قط. إنه طريق ذو اتجاه واحد".
قبلها، كان ترامب صرّح لصحيفة "ذا تليجراف" بأنه يفكر جديًا في سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو بعد فشلها في الانضمام إلى حربه على إيران، ووصف التحالف بأنه "نمر من ورق"، وقال إن إخراج أمريكا من معاهدة الدفاع أصبح الآن "غير قابل لإعادة النظر".
وقال: "أجل، أقول إن الأمر لا مجال لإعادة النظر فيه. لم أتأثر قط بحلف الناتو. لطالما عرفت أنهم مجرد قوة من ورق، وبوتين يعلم ذلك أيضًا بالمناسبة. لقد كنا هناك بشكل تلقائي، بما في ذلك أوكرانيا. لم تكن أوكرانيا مشكلتنا. لقد كان اختبارًا، وكنا هناك من أجلهم، وكنا سنكون دائمًا هناك من أجلهم. لكنهم لم يكونوا هناك (في إيران) من أجلنا".
وبعد حديثه مع الصحيفة البريطانية، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب أثار مسألة الانسحاب من حلف الناتو مع مساعدي البيت الأبيض، حيث أدلى بتعليقات لوزير خارجيته ماركو روبيو وآخرين على انفراد، لكنه لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأن مستقبل التحالف.
الدفاع المشترك
أدى طلب ترامب من الناتو المساعدة في حربه مع إيران إلى طرح تساؤلات حول المادة 5، وهي بند الدفاع المشترك الذي ينص على أن "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع". لكن لم يُفعّل هذا البند إلا مرة واحدة فقط، بعد هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. ومن نتائجه أن قُتل أكثر من 1100 جندي من غير الأمريكيين في الحرب اللاحقة في أفغانستان.
ولا ينطبق هذا البند إلا على حالة تعرض أحد أعضاء الناتو للهجوم، وبالتالي لن ينطبق على الحرب في إيران، التي بدأت بضربات جوية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير.
ورغم تصريحات ترامب، فإن أي قرار بسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو يتطلب موافقة الكونجرس. ففي عام 2023، سنّت الهيئة التشريعية في البلاد قانونًا يمنع الرئيس من "تعليق عضوية الولايات المتحدة في حلف الناتو أو إنهائها أو إدانتها أو سحبها" دون موافقة مجلس الشيوخ أو قانون صادر عن الكونجرس.
كان وزير الخارجية الحالي روبيو، الذي كان عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي في ذلك الوقت، شارك في رعاية التشريع، بحجة أن أي قرار بالانسحاب من التحالف "يجب أن تتم مناقشته ودراسته بدقة من قبل الكونجرس الأمريكي وبمشاركة الشعب الأمريكي".
غضب الحلفاء
تباينت ردود الأفعال بين الحلفاء عقب تصريحات ترامب، حيث نقلت "رويترز" تصريحًا عن وزيرة الدولة الفرنسية للجيش أليس روفو، على الرغم من أنها لم تتطرق بشكل مباشر إلى تهديد ترامب: "دعوني أذكركم بما هو حلف شمال الأطلسي. إنه تحالف عسكري معني بأمن الأراضي في منطقة أوروبا الأطلسية. ولا يُعتزم القيام بعملية في مضيق هرمز، وهو أمر لا يتوافق مع القانون الدولي".
وفي بولندا، دعا وزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك كاميش إلى الهدوء وقال: "آمل أن تسود لحظة من الهدوء وسط المشاعر المحيطة برئيس الولايات المتحدة اليوم. ولماذا؟ لأنه لا وجود لحلف الناتو بدون الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يسود هذا الهدوء. ولكن في الوقت نفسه، لا وجود للقوة الأمريكية بدون حلف الناتو".
كما قال متحدث باسم الحكومة الألمانية، إن برلين لا تزال ملتزمة بحلف الناتو. وأضاف في مؤتمر صحفي حكومي دوري: "ليست هذه المرة الأولى التي يفعل فيها (ترامب) ذلك، وبما أنها ظاهرة متكررة، فبإمكانكم الحكم بأنفسكم على عواقبها".
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيتصرف بما يخدم مصلحة بلاده، بغض النظر عن "الضجيج"، وأضاف أن حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الحرب الإيرانية تستدعي من بريطانيا التركيز على تعزيز العلاقات الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا.
وحسب هيئة الإذاعة البريطانية BBC سيحتاج قادة الناتو، وخاصة الأمين العام الحالي مارك روته -يُلقّب بـ"مُروّض ترامب" لجهوده العلنية والسرية في استمالة الرئيس المتقلب- إلى قضاء بعض الوقت مرة أخرى في محاولة إقناع ترامب وحثه على أن البقاء في مصلحته ومصلحة أمريكا.
ويُنظر إلى روتّه، الزعيم الهولندي السابق الذي يمتلك أدواته الخاصة في الإطراء، على نطاق واسع باعتباره قد لعب دورًا مهمًا في كبح جماح ترامب عن تهديداته بـ "الاستيلاء" على جرينلاند لكن روتّه تعرض أيضاً لانتقادات من دول أخرى في حلف الناتو بسبب إصراره على دعم الحرب ضد إيران التي قال إن ترامب كان يشنها "لجعل العالم كله آمنًا".
نحو أوروبا أقوى
خلال فترة ولايته الأولى، كاد ترامب ينسحب من منصبه في أوائل عام 2019. وكما كتب الأمين العام السابق لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج، في مذكراته الأخيرة التي حملت عنوان "على مرأى مني": "لقد رأينا علامات واضحة على أن ترامب كان يستعد لتنفيذ تهديده".
وروى ستولتنبرج -مُروّض ترامب السابق- كيف ظهر على قناة "فوكس نيوز" وأشاد بترامب لضغطه على حلفاء الناتو لزيادة إنفاقهم العسكري. بحسب روايته، أقر ترامب على الفور بهذا الثناء على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم لم يلقي الخطاب الذي أفادت التقارير أن البيت الأبيض قد أعده لانسحاب الولايات المتحدة.
كان محور اهتمامات ترامب هو اتفاقية عام 2014 التي تنص على أن تنفق الدول 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع؛ في ذلك الوقت، تم وصفها فقط بأنها "مبادئ توجيهية".
بالفعل، زاد الإنفاق العسكري بشكل كبير من قبل جميع أعضاء الناتو تقريبًا، جزئيًا كرد فعل على تهديدات ترامب، وجزئيًا بسبب التهديد الروسي المتزايد. وتشير BBC إلى أن هذه الأزمة الجديدة "ستعزز مجددًا تصميم الدول الأوروبية وكندا على تعزيز دفاعاتها والاعتماد على نفسها في أمنها".
لكن، حسب التقرير، تبقى الحقيقة المُرّة أن قوة الجيش الأمريكي لها تأثير بالغ.حيث تشكّل مساهمة الولايات المتحدة الآن نحو 62% من ميزانية الناتو، ولدى البنتاجون أصول وقدرات استخباراتية لا يزال الآخرون غير قادرين على مجاراتها.