تشهد التجمعات المسيحية في الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا مقلقًا من ضغوط واعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط تحذيرات من انتهاج المستوطنين سياسات تهدف إلى تفريغ المنطقة من أحد أقدم مكوناتها الدينية.
تصعيد استيطاني
في بلدة الطيبة، التي تُعد من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، يصف السكان واقعهم بأنه حصار متواصل يهدد وجودهم التاريخي.
وتقع الطيبة على تلة في قلب الضفة الغربية المحتلة، وتوجد أربع مستوطنات إسرائيلية كبيرة حولها، كما انتشرت بؤر استيطانية غير رسمية لا حصر لها على التلال الشاهقة المطلة على وادي الأردن، حيث أقامها مستوطنون متشددون، يرسلون مجموعات من الشباب لمضايقة السكان الفلسطينيين.
ويُعدّ الاستيلاء المتواصل على الأراضي والترهيب نمطًا متكررًا في جميع أنحاء الضفة الغربية، في حملة وصفتها الأمم المتحدة بالتطهير العرقي، ويقودها أعضاء متشددون في الائتلاف الحاكم، بمن فيهم وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن جفير.
وقال الأهالي فى تقرير نشرته صحيفة الجاردين : "إن هذه المجموعات تمارس اعتداءات متكررة، تشمل تخريب الممتلكات، وإحراق الأراضي، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، خاصة بساتين الزيتون التي تشكل مصدر رزق رئيسيًا لهم".
وأشار كاهن الرعية إلى أن السكان مُنعوا منذ سنوات من الوصول إلى أراضيهم، فيما تم إدخال قطعان المواشي إلى تلك الأراضي دون إذن، في محاولة لفرض واقع جديد. ولا يتمكن الأهالي من زيارة أراضيهم إلا نادرًا، وغالبًا بمرافقة دبلوماسيين أوروبيين خلال موسم الحصاد.
اعتداء مستمر
وخلال العام الماضي، تصاعدت وتيرة الاعتداءات، حيث تعرضت كنيسة تاريخية تعود للقرن الخامس للحرق، كما شهدت البلدة اقتحامات متكررة من قبل مستوطنين قاموا بإحراق سيارات وتخريب ممتلكات.
وفي حادثة أخرى، استولى مستوطنون على موقع صناعي ورفعوا العلم الإسرائيلي، في خطوة اعتبرها السكان تمهيدًا للسيطرة على أجزاء من البلدة.
ولا تقتصر ممارسات المستوطنين على الطيبة، بل تمتد إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية المحتلة، في نمط وصفته الأمم المتحدة بأنه يندرج ضمن سياسات تهجير قسري.
وفي بلدة بيت ساحور قرب بيت لحم، التي تضم غالبية مسيحية، يخشى السكان من سيناريو مشابه، بعد إقامة بؤرة استيطانية جديدة على أراضٍ كانوا يخططون لإقامة مشاريع خدمية عليها. وغالبًا ما يتم تحويل هذه البؤر إلى مستوطنات دائمة، تتبعها بنية تحتية وطرق عسكرية تعزز السيطرة الإسرائيلية.
تهجير قسري
تشير البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات، حيث سُجلت آلاف الهجمات خلال عام واحد، ما يعكس تصاعد التوترات في المنطقة. كما أظهرت تقارير من مركز بيانات الحرية الدينية زيادة في حوادث المضايقة ضد المسيحيين، بما في ذلك الاعتداءات اللفظية والجسدية.
وتراجعت نسبة المسيحيين في الضفة الغربية بشكل ملحوظ منذ عام 1967، حيث انخفضت من نحو 5% إلى قرابة 1% فقط، نتيجة الهجرة المتزايدة بحثًا عن الأمان والاستقرار. ويخشى السكان من أن استمرار هذه الضغوط سيؤدي إلى اختفاء تدريجي لهذا الوجود التاريخي.
في المقابل، دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن سياسات الاحتلال، زاعمًا أن "الجيش الإسرائيلي يحمي المسيحيين في المنطقة". وواجه هذا الادعاء انتقادات من باحثين وناشطين فلسطينيين، الذين يرون أن الواقع على الأرض يعكس عكس ذلك.
وفي ظل القيود التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحركة والحياة اليومية، يعيش الفلسطينيون في مناطق محاصرة، ما يعزز الشعور بفقدان الأمل، ويؤكد سكان محليون أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إنهاء وجود مجتمع استمر لأكثر من ألفي عام، في واحدة من أقدم الأراضي التي شهدت نشأة المسيحية.