في تجربة سينمائية تحمل الكثير من الخصوصية والعمق، يقدم المخرج التونسي مختار العجيمي بفيلمه "صباط الغولة"، الذي يشارك به في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، طرحًا إنسانيًا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، حيث لا يكتفي العجيمي بسرد قصة شخصية، بل يغوص في طبقات الذاكرة، مستعرضًا تداخل التجارب الفردية مع التحولات التاريخية، في معالجة تجمع بين البُعد الإنساني والفكري.
يؤكد العجيمي أن هذا العمل يُعد الأقرب إلى قلبه، لما يحمله من ارتباط وثيق بالذاكرة والتاريخ والإنسان.
وأوضح العجيمي لموقع "القاهرة الإخبارية" أن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة للعرض، بل أداة لمقاومة النسيان واستعادة ما يتلاشى من الذاكرة الجمعية، وما يظل عالقًا في وجدان الشعوب.
وأشار العجيمي إلى أن مشاركته في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية تُعد الرابعة له، مؤكدًا أن هذا المهرجان يحتل مكانة خاصة لديه، لما يقدمه من أعمال ذات قيمة فنية وفكرية. وأضاف أن مستوى الدورة الحالية يعكس اهتمامًا حقيقيًا بالسينما الجادة، وهو ما ضاعف من سعادته بعرض فيلمه ضمن فعالياته.
وكشف أن عرض "صباط الغولة" في الأقصر يُعد الأول للعمل خارج تونس، بعد أن ظلت فكرته ترافقه لسنوات طويلة قبل أن ترى النور.
تدور أحداث الفيلم حول امرأة تسعى لاستعادة ذاكرتها، في ظل تشابك الأزمات الشخصية مع التحولات التاريخية التي شهدتها البلاد خلال فترة الاستقلال، في طرح يمزج بين الخاص والعام، ويطرح تساؤلات عميقة حول الهوية والذاكرة.
ويرى العجيمي أن قيمة العمل السينمائي لا تُقاس بالجوائز، بل بقدرته على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، مشددًا على أهمية مخاطبة المتلقي بلغة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها وعيًا وعمقًا فكريًا.
ويشير مخرج العمل إلى أن عنوان الفيلم "صباط الغولة" يحمل بُعدًا رمزيًا، إذ يعكس فكرة أن فقدان الذاكرة، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، يعني فقدان القدرة على صناعة المستقبل، ومن هذا المنطلق، اختار مرض الزهايمر كمدخل درامي، ليس من زاوية طبية، بل باعتباره رمزًا لفقدان الذاكرة وما يثيره من تساؤلات إنسانية وتاريخية.
فاطمة بن سعيدان مصدر الإلهام
ارتبطت فكرة الفيلم بشكل وثيق بالممثلة التونسية فاطمة بن سعيدان، التي كانت مصدر إلهام رئيسي للمشروع، خاصة لما تحمله من حضور مرتبط بالذاكرة والتاريخ، وهو ما انعكس بوضوح في بناء الشخصية الرئيسية.
أعرب العجيمي عن سعادته بردود الفعل التي حصدها الفيلم في تونس ومصر، مشيرًا إلى أن عرضه ضمن مهرجان قرطاج السينمائي شهد تفاعلًا لافتًا، ما منحه ثقة كبيرة في العمل. كما أكد أن استقبال الجمهور المصري للفيلم شكّل دفعة معنوية مهمة بالنسبة له.
تحديات الإنتاج
لم تكن رحلة "صباط الغولة" سهلة، إذ يؤكد أن الفيلم واجه تحديات إنتاجية عديدة، في مقدمتها محدودية الإمكانات، حيث استغرق التصوير أربعة أسابيع فقط، وهو وقت قصير نسبيًا للأفلام الروائية.
وكشف العجيمي أنه اضطر للمساهمة من ماله الخاص لاستكمال العمل، حرصًا على خروجه بالشكل الذي يليق به، وليُشكّل إضافة جديدة إلى مسيرة السينما التونسية.
بداية الشغف
استعاد العجيمي بدايات علاقته بالسينما، مؤكدًا أن شغفه بدأ في سن السادسة عشرة، وأن زيارته الأولى إلى مصر بعد حصوله على البكالوريا شكّلت نقطة تحول في مسيرته، عندما شاهد الفنان محمود ياسين أثناء تصوير أحد أعماله في منطقة الأهرامات، وهو ما عزز تمسكه بحلم الإخراج.
كما عبّر عن تأثره بكبار المخرجين المصريين، وعلى رأسهم صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، متمنيًا أن يقدّم أعمالًا تظل راسخة في ذاكرة الجمهور كما فعلت أفلامهم، إلى جانب إعجابه الكبير بأداء الفنان محمود المليجي، أحد أبرز رموز التمثيل في السينما العربية.