على مدى ثمانية عقود، واجه حلف شمال الأطلسي "الناتو" نزاعات داخلية ومؤامرات معادية وحروبًا مسلحة في البوسنة وكوسوفو، وشارك في غزو أفغانستان. لكن إذا نفّذ دونالد ترامب تهديده بالانسحاب النهائي، وتمزّق التحالف عبر الأطلسي، سيكون ذلك أكبر انفصال في تاريخ التحالفات الغربية.
بلغة الأرقام، تستحوذ الولايات المتحدة على أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، وتوفر الجزء الأكبر من القوة النارية للحلف، لا سيما في البحر والجو والردع النووي. ويبلغ عدد العسكريين الأمريكيين العاملين 1.3 مليون جندي، أي أكثر بمليون جندي من تركيا، التي تحتل المرتبة الثانية من حيث القوة في حلف الناتو.
لكن الولايات المتحدة ليست مجرد أكبر وأغنى عضو في التحالف فحسب "بل هي الركيزة الأساسية، والعمود الذي بُني حوله الصرح بأكمله"، وفق تقرير لصحيفة "ذا تليجراف" التي أعلن عبرها الرئيس الأمريكي رغبته. فهي تمتلك قدرات لوجستية في النقل الجوي والبحري، فضلًا عن الاستخبارات عبر الأقمار الصناعية والإشارات، يعتمد عليها حلفاء الناتو الآخرون لدخول المعارك ومساعدتهم في القتال. ولطالما قدمت القيادة التي حافظت على تماسك الحلف.
تهديد أوروبا
إن التهديد الأعمق سيكون بالنسبة للأعضاء الأوروبيين، المستفيدين الرئيسيين من المادة 5 بأن "الهجوم المسلح ضد واحد أو أكثر من الأعضاء في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجومًا ضد الجميع". فلأول مرة منذ 80 عامًا، سيتعين عليهم مواجهة روسيا وقد جُردوا من ذلك الضمان الأمني الأساسي، حتى في الوقت الذي تستعر فيه الحرب في القارة.
وإذا أزلنا الطاقة التقليدية والنووية الأمريكية من معادلة دعم أوكرانيا، فإن مخاطر مهاجمة أصول تابعة للحلف تستخدم في دعم كييف تبدو أكثر قبولًا.
وحسب الصحيفة "لطالما جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدمير حلف الناتو وإنشاء ما يسميه "هيكلية أمنية أوروبية جديدة" أحد أعز طموحاته. هذا لا يجعل الهجوم الروسي المباشر على أوروبا حتميًا في حال انسحاب الولايات المتحدة من التحالف. لكن احتمالات إقدام بوتين على هذه الخطوة ستزداد بشكل كبير".
أيضًا، فإن الانسحاب من التحالف لن يعفي ترامب من الالتزام بالدفاع عن الحلفاء فحسب. بل قد يفتح الطريق -على الأقل نظريًا- أمام قيام حليف سابق بمهاجمة حليف آخر، وهو سيناريو لم يكن بإمكان حلف الناتو نفسه النجاة منه.
قد يواجه الكنديون واقعًا جديدًا صعبًا. فترامب، الذي أمر بشن هجمات في 13 دولة منذ عودته إلى البيت الأبيض، كان يطمح علنًا إلى ضم بلادهم (العضو المؤسس لحلف الناتو) لتصبح "الولاية الحادية والخمسين" في المستقبل.
كندا وجرينلاند
تلفت الصحيفة البريطانية إلى أنه "بعد أن انفصلت أوتاوا فجأة عن جارتها العملاقة وشريكتها الأمنية، لم تعد تعيش بيقين أن أمريكا الشمالية هي موطن آمن ومستقر. لكن الحرب ربما تكون أكثر احتمالًا في جرينلاند".
وفي الشهر الماضي، تبيّن أن الجيش الدنماركي كان قد استعد سرًا لصد هجوم أمريكي محتمل على الجزيرة وسط تهديدات متكررة من ترامب بضمها. حيث تم تجهيز القوات وإصدار الأوامر لها بتفجير مدارج الطائرات الرئيسية، بل وقامت بنقل أكياس الدم جوًا لمحاكاة علاج الجرحى من المعركة المتوقعة.
لذلك تُشكّل هذه الاحتمالات الكابوسية معضلات خطيرة لحلفاء كندا والدنمارك المتبقين. في الواقع، من الصعب على بريطانيا وفرنسا وألمانيا إرسال قوات لصدّ غزو أمريكي محتمل لأيٍّ من البلدين.
وعلى وجه الخصوص، سيدعو القادة البريطانيون ألا يضطروا أبدًا إلى اتخاذ مثل هذا الخيار. فكل شيء، بدءًا من الصواريخ النووية البريطانية التي يجب صيانتها في المنشآت الأمريكية، وصولًا إلى شبكة الاستخبارات الإلكترونية التابعة لمركز الاتصالات الحكومية البريطانية -التي تتداخل مع وكالة الأمن القومي الأمريكية- متشابك في نظام الأمن الأمريكي.
خسائر أمريكية
معاناة كما هو الحال في جميع حالات الانفصال، لن يكون الألم من جانب واحد. بدورها ستعاني أمريكا من الابتعاد عن شركاء الأطلسي، فقد سمح الحلف منذ تأسيسه للولايات المتحدة ببسط نفوذها عالميًا. وربما يختفي هذا.
أيضًا، تضم دول الحلف أنظمة الإنذار المبكر الأمريكية. فعلى سبيل المثال، تعتمد الولايات المتحدة على المملكة المتحدة والنرويج لمراقبة غواصات الصواريخ النووية الروسية المحمولة جواً والتي تعمل انطلاقًا من شبه جزيرة كولا وبحر بارنتس.
وبينما رفض بعض أعضاء الناتو -فرنسا وإسبانيا وإيطاليا- في الحرب الحالية مع إيران، فقد أثبت التحالف أهميته في مشاركات أخرى بقيادة الولايات المتحدة. وإذا وجدت واشنطن نفسها متورطة في الحرب التي يخشاها الكثيرون، التي قد تكون حربًا مع الصين في المحيط الهادئ، فسوف تفتقد هؤلاء الأصدقاء.
لهذه الأسباب، وحقيقة أن ترامب لا يستطيع الانسحاب من الناتو دون موافقة أغلبية ساحقة في مجلس الشيوخ تبلغ ثلثي الأعضاء أو قانون صادر عن الكونجرس، فمن الممكن ألا تتحقق أسوأ المخاوف بشأن العلاقات عبر الأطلسي.
مع هذا، حتى في مستقبلٍ قد لا يشهد وجود حلف الأطلسي الرسمي، ستحتاج أمريكا إلى حلفاء وإلى الحفاظ على العلاقات الثنائية. ففي نهاية المطاف، يسبق التحالف الأنجلو-أمريكي حلف الناتو، ويعود تاريخ التحالف الفرنسي-الأمريكي إلى عام 1778.
وبما أن شكوك ترامب العلنية بشأن الناتو وتهديداته ضد جرينلاند قوّضت بالفعل قوة الردع للمادة 5، فربما لن يؤدي فقدانها بالكامل إلى مزيد من الضرر. حيث يتزايد الإنفاق الدفاعي في أوروبا بالفعل بسرعة، وخاصة في شرق وشمال القارة.