شهدت فعاليات النسخة 15 لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، عرض الفيلم الجزائري "رقية" وسط حضور لافت، أعقبه ندوة نقاشية حضرها مخرج العمل يانيس كوسيم، الذي تحدث عن خلفيات الفيلم وتفاصيل إنتاجه وكواليس كتابته.
بدأ يانيس كوسيم حديثه بقوله إن فكرة العمل لم تبدأ بوصفها مشروعًا لفيلم رعب، بل كانت في البداية أقرب إلى معالجة درامية ذات طابع إنساني، غير أن السيناريو تطور تدريجيًا أثناء الكتابة، ليقوده في النهاية إلى هذا النوع السينمائي.
أوضح الفيلم الجزائري أن هذا التحول لم يكن مقصودًا منذ البداية، بل جاء بشكل تلقائي مع تطور الشخصيات وتصاعد الأحداث، مشيرًا إلى أن الشر الذي يتناوله الفيلم لا يرتبط بمكان محدد، وإنما يعكس وجوها متعددة للشر الإنساني، بينما جاءت الرمزية داخل العمل بصورة غير مباشرة ومن دون تخطيط مسبق.
ويغوص الفيلم في عوالم قاتمة تستند إلى فترة حرجة في الجزائر، حيث يتخذ المخرج من تلك المرحلة خلفية زمنية ونفسية للأحداث، ويقدم من خلالها معالجة تجمع بين الواقع والخيال، كما يطرح فكرة المس الشيطاني وكائنات غامضة تسيطر على الإنسان وتغيّر ملامحه وسلوكه، فيتحول إلى كائن مختلف لا يشبه ذاته، وهو ما يمكن قراءته بوصفه استعارة لحالة العنف التي عرفتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حين تحول كثير من الأشخاص إلى أدوات للقتل بفعل التطرف.
يشير المخرج الجزائري إلى أن اختياره لهذا النوع من الأفلام يرتبط أيضًا بحاجة الجمهور الجزائري إلى أعمال رعب محلية تعكس بيئته وتاريخه، مؤكدًا أن المشاهد الجزائري تابع معظم أفلام الرعب العالمية، لكنه يفتقد عملًا يعبّر عن ذاكرته وتجربته الخاصة.
يفتتح "كوسيم" الفيلم بمشهد صادم، في محاولة لإعادة استحضار أجواء مرحلة في الجزائر ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، ويعتمد المخرج في هذه المشاهد على إيقاع بصري سريع ومتوتر، مصحوب بتأثيرات صوتية مكثفة تعزز حالة الرعب، قبل أن يتباطأ الإيقاع تدريجيًا مع تطور الأحداث، ليمنح المتلقي مساحة أوسع للتأمل في الشخصيات والتحولات النفسية التي تمر بها، ثم يعود التوتر إلى التصاعد من جديد في المشاهد الختامية.
ويؤكد المخرج أن "رقية" يجمع بين العنف البصري والنفسي، إذ يعتمد على مشاهد قاسية وصادمة إلى جانب أجواء توتر نفسي مستمر، وهو ما يجعل العمل موجها إلى فئة محددة من الجمهور أكثر ميلًا إلى هذا النوع من الأفلام، ومع ذلك، يظل الفيلم تجربة مختلفة داخل السينما الجزائرية، سواء من حيث موضوعه أو أسلوبه البصري، في محاولة لتقديم عمل ينطلق من الواقع ويعيد صياغته عبر لغة سينمائية تجمع بين الرمز والتاريخ والخيال.