يغرق ملايين البريطانيين في دوامة من التشاؤم الاقتصادي غير المسبوق مع انهيار الثقة في الاقتصاد الوطني إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، في وقت يكافح فيه نصف الأسر لتحمل نفقات الاحتياجات اليومية الأساسية، بينما تدفع الحرب المستمرة في إيران أسعار الطاقة والغذاء للارتفاع الحاد، ما ينذر بموجة جديدة من الصدمات الاقتصادية قد تكون الأقسى.
المدخرات المستنزفة
كشف أحدث استطلاع لمؤشر رؤى المستهلك من مؤسسة "ويتش" البريطانية، وفق ما ذكرته صحيفة ذا جارديان، أن ضغوط الأسعار المتصاعدة تجبر نصف الأسر البريطانية، بما يُقدَّر بنحو 14 مليون أسرة، على إجراء تعديل واحد على الأقل للبقاء على قيد الحياة اقتصاديًا، سواء بالاستغناء عن المدخرات أو بيع ممتلكات شخصية أو اللجوء للاقتراض لتغطية تكاليف الضروريات اليومية.
والمقلق أن المدخرات تحولت من شبكة أمان تقليدية إلى شريان حياة عاجل، إذ تسحب ربع الأسر (26%) الآن بانتظام من مدخراتها لسد الفجوة المتزايدة بين دخلها وتكلفة الضروريات، ما يمثل تحولًا دراماتيكيًا مقارنة بنهاية العام الماضي عندما بدا أن الضغط المالي على الأسر يتراجع تدريجيًا، لكن الصراع في الشرق الأوسط قلب المعادلة تمامًا، بحسب ذا جارديان.
وأوضحت الصحيفة البريطانية أن التصعيد المستمر في الصراع بالشرق الأوسط، الذي دفع أسعار النفط والغاز وأسمدة المحاصيل والمواد الخام الأخرى، للارتفاع الحاد، يهدد بإحداث صدمة جديدة لتكلفة المعيشة تُضاف إلى معاناة الأسر المستمرة.
انهيار الثقة
في مؤشر صادم على حجم الأزمة، انهارت الثقة في مستقبل الاقتصاد البريطاني بمقدار 13 نقطة دفعة واحدة لتصل إلى درجة -56 في الفترة حتى 13 مارس، وهو أدنى مستوى مسجل منذ نهاية عام 2022، وفق المؤشر الذي أشارت إليه ذا جارديان.
وقالت مؤسسة "ويتش" إن هذه الدرجة السلبية العميقة تعكس "تشاؤمًا عميق الجذور في جميع أنحاء البلاد"، إذ يتوقع الآن ثلثا البالغين في بريطانيا (67%) تدهور الاقتصاد الوطني خلال الأشهر الـ12 المقبلة، بينما يعتقد 12% فقط أنه سيتحسن، وهي نسبة ضئيلة تعكس فقدان الأمل.
وبينما لا تزال مؤشرات الثقة أعلى من أدنى مستوياتها التاريخية التي سجلتها أثناء جائحة كورونا (-78) وذروة أزمة غلاء المعيشة عام 2022 (-70)، فإن التراجع الحاد الأخير ينذر بتنامي المخاوف الاقتصادية وتفاقم الضائقة المالية لدى شريحة واسعة من المواطنين، كما رصدت الصحيفة البريطانية.
وفي مؤشر إضافي على تدهور الأوضاع، انخفضت الثقة في مستقبل ميزانيات الأسر أيضًا إلى أدنى مستوى منذ أبريل الماضي، بتراجع خمس نقاط إلى -15 هذا الشهر، ما يعني أن الأسر تشعر بالقلق ليس فقط من الاقتصاد الكلي، بل من أوضاعها المالية الشخصية المباشرة.
كابوس التضخم المستمر
في ضربة إضافية للأسر المتعثرة، يُتوقع الآن أن يظل معدل التضخم الرئيسي في بريطانيا مرتفعًا لفترة أطول بكثير مما كان متوقعًا، وفق ذا جارديان، فقبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، كان الخبراء يتوقعون أن ينخفض التضخم البريطاني إلى هدف بنك إنجلترا المركزي البالغ 2% في الأشهر المقبلة، انطلاقًا من معدله الحالي عند 3%، إلا أن البنك المركزي يتوقع الآن سيناريو أكثر قتامة، إذ سيرتفع المعدل إلى 3.5% ويستقر عند أكثر من نقطة مئوية كاملة فوق الهدف المنشود طوال عام 2026، ما يعني استمرار الضغط الخانق على ميزانيات الأسر لفترة طويلة، كما أوضحت الصحيفة البريطانية.