رغم التصريحات الأمريكية التي تؤكد تراجع القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، تكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن طهران لا تزال قادرة على توجيه ضربات مؤلمة لخصومها، إذ شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية سلسلة هجمات بطائرات مُسيَّرة وصواريخ استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، ما يعكس استمرار قدرة إيران على الرد والتأثير في مسار الصراع.
شملت هذه الهجمات استهداف قاعدة عسكرية أمريكية في السعودية، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود، إلى جانب ضربات بطائرات مُسيَّرة استهدفت موانئ ومنشآت في عُمان والكويت، فضلًا عن هجوم على منشأة صناعية في أبوظبي أسفر عن إصابات بين العمال.
وتؤكد هذه العمليات أن نطاق التحرك الإيراني يزال واسعًا، رغم الضربات المكثفة التي تعرضت لها بنيتها العسكرية، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
روايتان متناقضتان
في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد على أن بلاده نجحت في تقويض القدرات العسكرية الإيرانية بشكل شبه كامل، مشيرًا إلى انخفاض وتيرة الهجمات الإيرانية بنسبة كبيرة منذ بداية الحرب.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي تعطيل نسبة كبيرة من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، ما يعزز الرواية القائلة بأن طهران فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها الهجومية.
في المقابل، يشير استمرار الهجمات خلال الأيام الأخيرة إلى عكس ذلك، إذ لا تزال إيران قادرة على إطلاق صواريخ وطائرات مُسيَّرة نحو أهداف في إسرائيل ودول الخليج، ما يفرض كلفة أمنية وبشرية مستمرة على خصومها.
في إسرائيل، لا يزال الملايين يلجأون إلى الملاجئ بشكل يومي مع دوي صفارات الإنذار، فيما أسفرت العديد من الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار مادية.
حتى في الحالات التي يتم فيها اعتراض الصواريخ، فإن آثارها لا تختفي تمامًا، إذ يمكن للشظايا المتساقطة أن تتسبب في خسائر بشرية، كما حدث في أبوظبي.
تهديد مستمر
ويشير خبراء إلى أن نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير أجزاء كبيرة من سلاح الجو والبحرية الإيرانية لا يعني إنهاء التهديد، إذ تبقى الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة أدوات فعالة بيد طهران.
كما تشير تقديرات مسؤولين أمريكيين إلى أن إيران تمتلك، حتى الآن، آلاف الطائرات المُسيَّرة ومئات الصواريخ، رغم صعوبة تحديد الأرقام بدقة بسبب محدودية المعلومات الاستخباراتية، كما أن انخفاض عدد الهجمات لا يعني بالضرورة تراجع القدرة، بل قد يعكس تغيّرًا في التكتيكات العسكرية.
ووفقًا لمحللين، فإن ما تحقق من إضعاف للقدرات الإيرانية لا يتجاوز كونه تقليصًا جزئيًا، إذ لا يمكن القضاء الكامل على هذه القدرات خلال فترة قصيرة، كما تشير التقديرات إلى أن إيران لا تزال تطلق ما بين 20 إلى 30 صاروخًا يوميًا، وهو ما يدل على استمرار قدرتها التشغيلية.
تكييف حربي
في هذا السياق، يرى محللون أن إيران بدأت تتكيف مع ظروف الحرب، إذ أظهرت بيانات أن دقة الضربات الإيرانية تحسَّنت مع مرور الوقت، ما يشير إلى تطور في أساليب الاستهداف واستخدام أفضل للموارد المتاحة. ويؤكد ذلك أن تقليل وتيرة الهجمات قد يكون جزءًا من إستراتيجية مدروسة، وليس نتيجة ضعف فقط.
كما يُرجّح أن تكون إيران أعادت تموضع قدراتها الصاروخية ودمجت معلومات استخباراتية جديدة في عملياتها، ما ساعدها على تحسين فعالية ضرباتها، وأن تواصل الهجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع -بما في ذلك استهداف منشآت في الخليج- يعزز هذا التقييم.
وتعكس قدرة إيران على الاستمرار في إطلاق الصواريخ تعافيًا سريعًا نسبيًا من الضربات السابقة، خاصة بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا العام الماضي، فخلال الأشهر التي تلت تلك المواجهة، عملت طهران على إعادة بناء قدراتها والاستعداد لجولة جديدة من الصراع.
ويُعتقد أن طهران لا تزال تحتفظ بإمكانية الوصول إلى منشآت تحت الأرض تُعرف بـ"مدن الصواريخ"، أو ربما تمتلك مواقع سرية لم تُكتشف بعد، ما يمنحها مرونة إضافية في إدارة عملياتها العسكرية.