في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية، يجد الاقتصاد الإيراني نفسه أمام اختبار حاسم لمدى قدرته على الصمود، فبعد سنوات من بناء نموذج "اقتصاد المقاومة" لمواجهة العقوبات والعزلة، بات هذا النهج اليوم في مواجهة تحديات غير مسبوقة، تضعه بين خيار الاستمرار في التكيف أو الانكشاف أمام تداعيات حرب تستهدف مفاصل الدولة الحيوية.
اقتصاد المقاومة
على مدى أكثر من أربعة عقود، عملت إيران على بناء ما تسميه "اقتصاد المقاومة"، وهو نموذج اقتصادي يهدف إلى الصمود في وجه العقوبات والحروب والضغوط الخارجية، وفقًا لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
يقوم هذا النموذج على تعزيز الإنتاج المحلي للسلع التي يصعب استيرادها، مثل الأدوية وقطع غيار السيارات والأجهزة المنزلية، إلى جانب توزيع البنية التحتية الحيوية، كشبكات الكهرباء، لتقليل قابليتها للاستهداف، والاعتماد على نظام المقايضة في التجارة لتجاوز القيود المفروضة على التعاملات المالية.
رهان اقتصادي
واليوم، يواجه هذا النموذج اختبارًا غير مسبوق مع تصاعد العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية الإيرانية، إذ تعرضت منشآت حيوية -بما في ذلك مرافق تخزين الوقود ومجمعات الغاز وبعض المؤسسات المالية، إلى ضربات مكثفة- إضافة إلى تضرر عدد من المصانع الكبرى، ومنها مصانع للصلب الذي يُعد من أبرز صادرات إيران غير النفطية.
ويفرض تعطّل الملاحة البحرية تحديات إضافية، خاصة في ما يتعلق باستيراد السلع الأساسية مثل الحبوب والأعلاف، والتي تعتمد على سلاسل إمداد معقدة تمر عبر موانئ إقليمية، ورغم وجود بدائل مثل النقل البري والسكك الحديدية، فإن قدرتها الاستيعابية تبقى محدودة مقارنة بالموانئ الرئيسية.
ومع ذلك، يرى محللون أن "اقتصاد المقاومة" لا يزال يؤدي دورًا جزئيًا في تخفيف حدة الصدمة، إذ يتيح للنظام التركيز على البقاء بدلًا من تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكامل.
قدرة استيعابية
في هذا السياق، اتخذت الحكومة الإيرانية إجراءات لتخفيف القيود البيروقراطية وتسريع عمليات الاستيراد، كما منحت صلاحيات أوسع للسلطات المحلية.
وعلى الرغم من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، استمرت التجارة عبر الحدود البرية، في حين حرصت السلطات على طمأنة المواطنين بشأن توفر السلع الأساسية، مع استمرار تزويد الأسواق بالمواد الغذائية، وفرض إجراءات لترشيد استهلاك الوقود بعد استهداف منشآت التخزين.
لكن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة إذا توسعت الهجمات لتشمل محطات الكهرباء، ما قد يؤدي إلى تدهور سريع في الأوضاع الاقتصادية، ويُضاف إلى ذلك أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني أصلًا من آثار العقوبات وتراجع عائدات النفط.
ورغم هذه التحديات، تتمتع إيران بقاعدة صناعية متنوعة نسبيًا مقارنة بدول المنطقة، ما يمنحها قدرة على التكيف، مثل التحول من السلع المستوردة إلى الإنتاج المحلي، كما أنها تعتمد على صادرات غير نفطية، كالمعادن والمنتجات الكيميائية والغذائية، لتأمين جزء من إيراداتها.
صمود حذر
ومن المفارقات أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا ساهم في توفير دفعة مالية مؤقتة لإيران، إذ زادت عائداتها من الصادرات النفطية، ما ساعد في تغطية جزء من تكاليف الحرب، ومع ذلك يحذر الخبراء من أن هذه المكاسب قد تكون قصيرة الأجل.
وفي المقابل، يرى محللون أن قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود ليست بلا حدود، وأن استهداف البنية التحتية المدنية قد يؤدي إلى أزمة أعمق، وأنه حتى في حال بقاء النظام ستستغرق إعادة بناء الاقتصاد سنوات طويلة، في ظل حجم الدمار والتحديات المتراكمة.
حتى الآن، تواصل إيران دفع رواتب الموظفين، بينما لم تشهد أسعار الغذاء تقلبات حادة كما كان متوقعًا، جزئيًا بسبب جمود سوق العملة، إلا أن العاملون في القطاعات اليومية يواجهون تراجعًا في الطلب، ما يزيد من الضغوط المعيشية عليهم.