فاز إيمانويل جريجوار بمنصب عمدة باريس، خلفًا للعمدة المنتهية ولايتها آن هيدالجو، بعد تغلبه على وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي في انتخابات وُصفت بأنها اختبار لتوجه الناخب الفرنسي قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة العام المقبل.
عمدة باريس
حصل جريجوار، البالغ من العمر 48 عامًا، والذي شغل سابقًا منصب نائب عمدة باريس، على نحو 51% من الأصوات، متفوقًا بفارق واضح على منافسته اليمينية داتي، وكذلك على مرشحة اليسار الراديكالي صوفيا شيكيرو، في نتيجة خالفت توقعات أشارت إلى سباق متقارب، وفقًا لقناة "فرانس 24" الفرنسية.
وفي أول تعليق له بعد الفوز، قال جريجوار: "باريس قررت أن تظل وفية لتاريخها"، متعهدًا بالتصدي لليمين واليمين المتشدد مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. وأضاف: "ستكون باريس قلب المقاومة ضد هذا التحالف الذي يسعى لانتزاع ما نعتبره الأثمن وهو متعة العيش المشترك".
هيمنة يسارية
وأكد العمدة الجديد أنه سيتبنى أسلوب قيادة قريبًا من الناس، ساعيًا في الوقت ذاته إلى التمايز عن أسلوب سلفه هيدالجو الذي وُصف أحيانًا بالحاد، مع الحفاظ على الإرث السياسي والبيئي الذي رسخته خلال سنوات حكمها.
وعقب إعلان فوزه، توجه العمدة الجديد إلى مقر بلدية باريس مستخدمًا دراجة، في إشارة رمزية إلى استمرارية السياسات البيئية التي تبنتها الإدارات اليسارية المتعاقبة.
ويمثل هذا الفوز امتدادًا لهيمنة اليسار على إدارة العاصمة الفرنسية لمدة 25 عامًا، منذ عهد برتران ديلانويه ثم هيدالجو، حيث شهدت المدينة تحولات كبيرة شملت تقليل التلوث، وتوسيع المساحات الخضراء، وزيادة مسارات الدراجات والمناطق المخصصة للمشاة.
حملة متوترة
جاءت هذه الانتخابات بعد حملة انتخابية اتسمت بالتوتر، حيث اتهم جريجوار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتدخل في السياسة المحلية لإضعاف فرصه، وهو ما نفاه ماكرون واصفًا الاتهامات بأنها "غير منطقية".
وكان جريجوار قد تصدر الجولة الأولى من الانتخابات بنسبة تقارب 38% من الأصوات، متقدمًا بأكثر من 12 نقطة على داتي، التي حاولت تعزيز فرصها عبر التحالف مع منافس من يمين الوسط، مستفيدة أيضًا من انسحاب تكتيكي لمرشح من اليمين المتشدد.
كما دعت زعيمة اليمين المتشدد مارين لوبان الناخبين في باريس إلى إنهاء حكم اليسار، إلا أن هذا النداء لم يحقق التأثير المرجو، وربما ساهم في تعزيز حظوظ جريجوار نظرًا لضعف شعبية اليمين المتشدد داخل العاصمة.
ورغم انقسام أصوات اليسار بعد رفض جريجوار التحالف مع شيكيرو، المنتمية إلى حزب "فرنسا الأبية"، اعتُبر فوزه الكاسح تأكيدًا لصواب هذا القرار، خاصة في ظل نفور شريحة من الناخبين المعتدلين من الخطاب الراديكالي.
تحديات المرحلة المقبلة
يُعرف جريجوار بأنه سياسي يعمل غالبًا خلف الكواليس، وقد تعهد بمواصلة "الثورة الخضراء" في باريس، مع التركيز على تحسين أوضاع السكن في مدينة يقطنها نحو مليوني نسمة وتعاني من أزمة إسكان متفاقمة.
وسيواجه العمدة الجديد تحديات عدة، من بينها الغضب الشعبي بسبب ارتفاع الدين العام، وفضيحة تتعلق باتهامات إساءة معاملة أطفال من قبل مشرفين في المدارس، وتعهد بتحسين آليات توظيف وتدريب العاملين في المدارس.