بعد أربع سنوات من إطلاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوته لتحويل الصناعات الدفاعية إلى وضع الطوارئ الحربية، عقب الحرب الروسية الأوكرانية، تكشف الوقائع عن فشل ذريع في تحقيق الأهداف المرجوّة، فبينما تتصاعد الحاجة الملحة لتعزيز المخزون العسكري لدعم كييف والدفاع عن المصالح الفرنسية في الشرق الأوسط، تجد باريس نفسها عالقة بين طموحات كبرى وإنجازات محدودة على أرض الواقع.
معضلة ثقة بين الحكومة والشركات
كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية عن أزمة ثقة عميقة تعصف بالعلاقة بين الدولة الفرنسية وشركات التصنيع العسكري، إذ يطالب ماكرون الشركات بالمبادرة وضخ استثمارات في زيادة الطاقة الإنتاجية قبل الحصول على تعاقدات رسمية، داعيًا إياها لتحمل مخاطر أكبر عند اتخاذ قرارات الإنفاق الرأسمالي، إلا أن الشركات ترفض هذا المنطق وتصر على الحصول على عقود ملزمة قبل ضخ الأموال في مصانع جديدة وخطوط إنتاج إضافية.
يؤكد سيدريك بيران، رئيس لجنة الدفاع والشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الفرنسي، أن "فرنسا تعاني من صعوبة في توفير التمويل اللازم للطلبيات الجديدة، فالعقود قليلة للغاية، هذا هو الواقع ببساطة"، مشيرًا إلى أن إعلانات الحكومة عن تسليح الجيش "مجرد تسريع لتسليم طلبات قائمة، وليست عقودًا جديدة".
من جهتها، تصف مصادر في قطاع الصناعات الدفاعية، الحكومة بأنها "عميل سيئ" يَعِد بطلبيات ثم يتراجع عنها، مما أدى إلى "تآكل شديد في الثقة" بين الطرفين، وفقًا لما نقلته "بوليتيكو".
أزمة ذخائر في الشرق الأوسط
تتجلى خطورة الموقف في استنزاف المخزون الفرنسي من صواريخ الدفاع الجوي المتطورة، إذ حذرت باريس من نفاد صواريخ "ميكا" المضادة للطائرات بعد استخدامها في التصدي للهجمات الإيرانية بالطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية على حلفائها في المنطقة، لتلجأ فرنسا الآن إلى البحث عن حلول بديلة منخفضة التكلفة عبر التعاون مع شركات ناشئة مثل "هارماتان إيه آي" و"ألتا أريس" لتطوير طائرات مُسيّرة اعتراضية رخيصة الثمن.
تأتي هذه الأزمة بينما تواجه فرنسا ضغوطًا متزايدة من أوكرانيا للحصول على المزيد من الأسلحة لصد الهجوم الروسي، في وقت تسعى فيه الحكومة لزيادة إنتاج الصواريخ والقذائف بشكل كبير ضمن جهود إعادة التسلح.
استثمارات ضخمة بلا مردود
رغم الإنفاق الدفاعي الهائل، لم تنجح فرنسا في كسر حلقة الجمود، إذ خصص قانون التخطيط العسكري المُقر عام 2023 مبلغ 413 مليار يورو للفترة من 2024 حتى 2030، منها 16 مليار يورو مخصصة للذخائر فقط، ومن المقرر مراجعة القانون خلال الأسابيع المقبلة لإضافة 36 مليار يورو إضافية، رغم العجز الكبير في الموازنة العامة.
لكن هذا السخاء المالي لم يُنهِ المأزق بين الدولة وصانعي الأسلحة، إذ طُلب من شركات عملاقة مثل "كيه إن دي إس فرنسا" و"إم بي دي إيه" زيادة إنتاج الذخائر على نفقتها الخاصة، بحجة أن العقود ستأتي لاحقًا.
يدافع باتريك بايو، رئيس وكالة المشتريات الدفاعية الفرنسية، عن موقف الحكومة قائلًا: "لم نضع طلبيات بهذا الحجم من قبل، والادعاء بعدم وجود رؤية واضحة ببساطة غير صحيح"، حسب "بوليتيكو"، إلا أن الشركات ترفض المخاطرة بإنتاج أسلحة قد لا تشتريها الحكومة في النهاية.
والمفارقة أن الدولة تفتقر للنفوذ الكافي لإجبار الصناعة على الامتثال بالتهديد بالتوجه لمنافسين، لأن معظم الشركات تحتكر إنتاج أسلحة محددة وفرنسا تفضل الشراء محليًا.
تخلف عن الجيران الأوروبيين
يحذر خبراء ومشرعون ومسؤولون عسكريون بشكل خاص من تخلف فرنسا عن نظرائها الأوروبيين في سباق التسلح، إذ ستنفق باريس 57 مليار يورو على الدفاع هذا العام، مقارنة بأكثر من 82 مليار يورو لألمانيا، و46.7 مليار يورو لبولندا التي لا يتجاوز عدد سكانها نصف سكان فرنسا ويقل اقتصادها كثيرًا.