الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

العرش مقابل القضاء.. رهان ميلوني الكبير من أجل الإصلاح

  • مشاركة :
post-title
رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

رغم أن رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجيا ميلوني تبدو، في الوقت الحالي، قوة لا يمكن إيقافها في روما وبروكسل، حيث تقود الحكومة الأكثر استقرارًا التي شهدتها إيطاليا منذ سنوات، فإنها تخوض مقامرة كبيرة بإجراء استفتاء على الإصلاح القضائي، وهو ما قد يزعزع هالتها المنيعة.

وتلفت النسخة الأوروبية لصحيفة "بوليتيكو" إلى أن الاستفتاء المقرر اليوم وغدًا (22 و23 مارس) يمثل مناورة بالغة الخطورة لميلوني، إذ إن الفوز من شأنه أن يعزز قبضتها على السلطة، ويدعم صورتها كشخصية محصنة سياسيًا، لكن التصويت قد يأتي بنتائج عكسية، ويمكن أن يتحول بسهولة إلى تصويت على الثقة في الحكومة.

وفي الوقت نفسه، ومن خلال سعيها لإصلاح النظام القضائي، تغامر ميلوني بالدخول إلى واحدة من أكثر الساحات اشتعالًا في إيطاليا، ما يعرضها لاتهامات بالتدخل في قضاء يتمتع بدرجة عالية من الاستقلال، والذي غالبًا ما هاجمه اليمينيون بسبب ما يعتبرونه انحيازًا لليسار، وهو نقاش حاد ذو إرث سياسي طويل.

ولا يزال اليمين الإيطالي يعاني من آثار قضايا الفساد التاريخية التي أطاحت بالمؤسسة الديمقراطية المسيحية في التسعينيات، كما أن شبح سيلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الأسبق وقطب الإعلام الملياردير الذي توفي عام 2023 وكان معروفًا بحياته الصاخبة، لا يزال يلقي بظلاله على المشهد السياسي.

إعادة هيكلة

على مدى عقود، كانت معظم الحكومات الإيطالية حذرة من إعادة هيكلة النظام القانوني بشكل جذري، إلا أن ميلوني تبدو مستعدة للمضي قدمًا. ويقول مؤيدوها إن الإصلاحات المقترحة في استفتاء مارس ستعمل على تحديث النظام القضائي، الذي غالبًا ما يُنتقد لكونه "بطيئًا ومسيّسًا وغير خاضع للمساءلة"، ما يجعله أكثر توافقًا مع النماذج الأوروبية الأخرى.

ومن الناحية العملية، فإن التغييرات المطلوبة ذات طابع تقني للغاية، إذ تتناول كيفية إدارة القضاة والمدعين العامين وتعيينهم وتأديبهم، فضلًا عن فصل مساراتهم المهنية وإعادة هيكلة هيئات الرقابة القضائية. لكن، ومن خلال تحويل هذه القضايا إلى مسألة رئيسية وعرضها على صناديق الاقتراع، حولت ميلوني هذا التغيير التقني إلى اختبار مباشر لسلطتها.

وتنقل "بوليتيكو" عن نائب وزير العدل، فرانشيسكو باولو سيستو، قوله إن هذا الإصلاح طال انتظاره، مؤكدًا أن فصل القضاة عن المدعين العامين من شأنه أن يعزز العدالة وثقة الجمهور في المحاكم، مضيفًا: "سيشعر المتهم بالاطمئنان عندما يدخل قاعة المحكمة وهو يعلم أن قاضيه لا تربطه أي صلة بالمدعي العام، لم أرَ قط حكمًا من نفس مدينة أحد الفريقين".

لكن النقاد يرون في ذلك أمرًا أكثر خطورة، إذ يعتقدون أن الإصلاح لا يبدو كخطوة محايدة نحو التحديث، بل كمحاولة لإضعاف استقلال القضاء وزيادة السيطرة السياسية على المدعين العامين، ويتعزز هذا التصور من خلال الخطاب التصادمي المتزايد للحكومة تجاه المحاكم.

جوانب سياسية

كثيرًا ما صوّرت ميلوني الأحكام القضائية كعقبات أمام برنامجها. ففي مؤتمر صحفي عُقد في يناير، ألقت باللوم على قرارات المحاكم، معتبرة أنها تقوض محاولاتها لتمرير إجراءات أكثر صرامة في مجال القانون والنظام، متسائلة: "كيف يمكن حماية أمن الإيطاليين إذا ما تم إلغاء كل مبادرة تهدف إلى ذلك بشكل منهجي من قبل بعض القضاة؟"

وبالنسبة لمعارضيها، فإن هذا النوع من الخطاب يغذي الانطباع بأن الإصلاح يتعلق بمحاولة فرض الهيمنة في صراع على السلطة دام عقودًا، أكثر من كونه سعيًا لتحقيق الكفاءة داخل قاعات المحاكم.

ولا يكمن الخطر الذي يواجه ميلوني في الجوانب القانونية أو الإجرائية فحسب، بل يمتد إلى الأبعاد السياسية، إذ يضعها إصلاح القضاء في مواجهة قاعدة مؤسسية قوية ومنظمة، تتمتع بنفوذ عميق داخل الدولة. وقد أثارت مقترحات مماثلة طُرحت خلال حكومة برلسكوني الأولى في منتصف التسعينيات احتجاجات واسعة، وأسهمت في انهيار ائتلافه.

ومع ذلك، وبحسب "بوليتيكو"، يمكن تفسير قرار ميلوني، الذي لم يُفرض عليها من قبل بروكسل أو ضغوط الأسواق أو الأزمات، جزئيًا بمسيرتها الشخصية، إذ دخلت معترك السياسة خلال اضطرابات التسعينيات، ولا تحمل إرثًا مباشرًا من تلك المرحلة، كما تنطلق من موقع قوة، في ظل قيادتها حكومة مستقرة وخوضها حملات انتخابية ناجحة.

وتُظهر استطلاعات حديثة تقدمًا طفيفًا لمعارضي الإصلاح، رغم أن مستوى الوعي بتفاصيله لا يزال منخفضًا. وتوقع استطلاع رأي أجرته مؤسسة YouTrend فوز معارضي الإصلاح في حال انخفاض نسبة المشاركة، حيث صوّت 51% ضده، بينما في حال ارتفاع نسبة المشاركة، قد يفوز مؤيدو الإصلاح بنسبة 52.6% مقابل 47.4%.

وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة SWG أن 38% من الناخبين يؤيدون الإصلاح، مقابل 37% يعارضونه، فيما لم يحسم 25% موقفهم.