لطالما برزت إشارات من داخل دوائر السلطة في إيران إلى شخصية توصف بأنها صاحبة النفوذ الحقيقي خلف الكواليس، قبيل اغتيال المرشد الإيراني على خامئني في غارة جوية مع بداية الحرب، لتعلن إسرائيل مقتل هذه الشخصية، ما أثار تساؤلات حول مستقبل إدارة النظام الإيراني وقدرته على الاستمرار في ظل غيابها.
مراكز القوة
أعلنت إسرائيل، صباح اليوم الثلاثاء، مقتل علي لاريجاني، رئيس جهاز الأمن القومي الإيراني ليصبح من أبرز ضحايا الاغتيالات في القيادة العليا، وربما الأكثر أهمية مقارنة بغيره.
وأفاد مسؤول إيراني وفق صحيفة "`ذا تليجراف"، بأن لاريجاني كان من القلة التي لا تزال قادرة على مقابلة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي قد كلف بمهمة إنقاذ النظام، مشيرًا إلى أن هذا الشخص يتمتع بنفوذ واسع داخل مؤسسات الحكم.
وتختلف عملية اغتياله عن الضربة التي أدت إلى مقتل علي خامنئي، الذي كان يشغل منصب رئيس الدولة والمرشد الأعلى والقائد الأعلى للقوات المسلحة، إذ كان لاريجاني يُمثل دورًا تنفيذيًا محوريًا داخل النظام.
كان ينظر إلى لاريجاني باعتباره المسؤول الفعلي عن إدارة شؤون الدولة، منذ يونيو الماضي، كما كان يعد من بين القلة التي امتلكت خبرة دبلوماسية بارزة داخل إيران.
دور محوري
تضمنت مهام لاريجاني الرسمية إدارة تدفق المعلومات بين المؤسسات، وتنسيق القنوات الدبلوماسية، إضافة إلى احتواء الصراعات الفصائلية الداخلية داخل النظام، كما تولى مسؤولية الإشراف على عملية انتقال السلطة بشكل منظم، بهدف منع تفكك النظام إلى مراكز قوة متنافسة، في ظل تعدد الجهات المؤثرة داخله.
جاءت هذه الخبرة نتيجة مسيرة امتدت لثلاثة عقود، شغل خلالها لاريجاني مناصب متعددة، من بينها وزير الثقافة، ورئيس الإذاعة الحكومية لمدة 10 سنوات، وأمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي.
كما شغل منصب رئيس البرلمان لمدة 12 عامًا، وعمل مؤخرًا مبعوثًا شخصيًا للمرشد الأعلى إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما عزز موقعه في الملفات الإستراتيجية.
هيكل معقد
صممت إيران كنظام متعدد المؤسسات المتداخلة، مع وجود مراكز قوة متنافسة بشكل متعمد، ما يستدعي تنسيقًا مستمرًا لضمان عملها بشكل متماسك.
يتولى الرئيس إدارة الحكومة المدنية، لكنه يخضع لسلطة المرشد الأعلى، بينما يسيطر الحرس الثوري على قطاعات اقتصادية وأمنية واسعة، مع بقائه نظريًا تحت سلطة المرشد.
وتقوم هيئة الخبراء باختيار المرشد الأعلى، لكن وجودها مرتبط بإرادته، فيما يتولى مجلس صيانة الدستور تدقيق المرشحين للمناصب المنتخبة وفقًا لمعايير يحددها المرشد.
كان الهدف من هذا البناء المؤسسي منع تركز السلطة في جهة واحدة، مع ضمان أن جميع المؤسسات تحتاج إلى تنسيق مركزي لكي تتمكن من العمل بفعالية.
قطة ضعف
تكمن نقطة ضعف هذا النظام في حاجته إلى شخصية قادرة على فهم تعقيداته وربط مكوناته المختلفة، الدور الذي اضطلع به لاريجاني خلال سنوات طويلة، إذ امتلك معرفة دقيقة بتوازنات القوى، بما في ذلك النفوذ الحقيقي لرجال الدين في قم، وقدرته على التمييز بين أصحاب النفوذ الفعلي وأصحاب الألقاب الشكلية.
كما بنى علاقات ممتدة مع مسؤولين روس ودبلوماسيين صينيين وقوى إقليمية، واكتسب خبرة في إدارة المفاوضات بما يسمح للمتشددين بقبول التسويات، وأشارت تجارب سابقة إلى إمكان استبدال قادة عسكريين أو علماء، كما حدث بعد مقتل قاسم سليماني عام 2020، لكن لا توجد آلية واضحة لتعويض دور تنسيقي غير رسمي مثل دور لاريجاني.
تداعيات الغياب
يطرح غياب لاريجاني تساؤلات حول قدرة أي شخصية أخرى على امتلاك المعرفة المؤسسية والثقة اللازمة للحفاظ على تماسك النظام، وسط مؤشرات على صعوبة تعويض هذا الدور.
رغم تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا، إلا أنه لم يظهر منذ أسابيع، ما يضيف مزيدًا من الغموض بشأن آليات إدارة المرحلة الحالية داخل إيران.
ويفقد النظام بغياب لاريجاني شخصية كانت تحظى بثقة المتشددين والحكومات الأجنبية، وكانت قادرة على صياغة الاتفاقيات وإدارة قنوات التفاوض مع أطراف دولية.
في ظل ذلك، قد يؤثر هذا الغياب على فرص التوصل إلى تسويات، خصوصًا مع استمرار الحرب وتداعياتها على أزمة الطاقة العالمية، ما يجعل مسار التهدئة أكثر تعقيدًا.