قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، يونيو 2025، بعد ساعات من شنّ الولايات المتحدة غارات جوية على المنشآت النووية الإيرانية: "ليس لدينا أي مصلحة في صراع طويل الأمد"، مضيفًا: "ليس لدينا أي مصلحة في إرسال قوات برية"، لكن الإدارة الأمريكية اليوم تغير موقفها، رافضة استبعاد هذا الاحتمال بعد مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع حرب أوسع نطاقًا ضد إيران، لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقلل من شأن الفكرة كما كان يفعل سابقًا، وهناك أسباب إستراتيجية متزايدة تدعو إلى الاعتقاد بأنها قد تكون خيارًا قابلًا للتطبيق.
وحسب شبكة "سي. إن. إن" الإخبارية الأمريكية، إذا ما أقدم ترامب على هذا الخيار، فسيكون ذلك مؤشرًا على أن هذه الحرب اتخذت منحى لم يكن يتوقعه، وأنها أصبحت تشكل مخاطرة سياسية جسيمة.
وذكرت الشبكة، أن استطلاعات الرأي التي أجريت منذ الضربات الأولى على إيران، الشهر الماضي، تشير إلى أن فكرة إرسال قوات برية مرفوضة تمامًا لدى الأمريكيين عمومًا، بل حتى لدى قاعدة الحزب الجمهوري.
وبينما يشير التاريخ الحديث إلى أن هذه القاعدة قد تتقبل الفكرة، ولو جزئيًا، فإن ترامب يخاطر حتى مع العديد من هؤلاء المؤيدين.
لكن يبدو أن هناك أسبابًا متزايدة تدعو إلى نشر قوات برية، ولو محدودة، على الأراضي الإيرانية، سواء كان ذلك لمصادرة المواد النووية الإيرانية، أو للسيطرة على جزيرة "خرج" ذات الأهمية الإستراتيجية، التي استهدفتها الإدارة مؤخرًا، أو للسيطرة على المناطق المحيطة بمضيق هرمز للمساعدة في استئناف مرور السفن المحملة بالنفط.
وكما ذكرت "سي إن إن"، فإن الاستيلاء على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه مدفون في أعماق الأرض، يتطلب وجودًا عسكريًا كبيرًا، يتجاوز بكثير نطاق العمليات الخاصة.
وأبدى ترامب انزعاجه من الأسئلة المتعلقة بهذا الاحتمال في الأيام الأخيرة، لكنه أوضح أنه خيار يحتفظ به لنفسه، على عكس ما كان عليه الحال قبل 9 أشهر، وهناك تقارير تفيد بأن الإدارة الأمريكية ستنشر وحدة مشاة بحرية استطلاعية، وهي وحدة استجابة سريعة تضم عادة2500 جندي من مشاة البحرية والبحارة، في الشرق الأوسط لأسباب غير معلنة.
وصرّح سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، لشبكة "فوكس نيوز": "لن يكون هذا امتدادًا لحرب العراق عام 2003، لن يكون هناك مئات الآلاف من الجنود يحتلون مناطق حضرية في أي مكان"، لكنه أضاف أن الجيش الأمريكي يقدم خيارات لترامب "لضمان وجود قوات مدربة ومجهزة ومتمركزة وجاهزة لأي قرار يتخذه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة".
ولم يعد ترامب يقلل من شأن هذا الاحتمال كما فعل قبل أسبوعين، حين وصفه لصحيفة "نيويورك بوست" بأنه "ربما لا نحتاج إليهم" أو "إذا دعت الحاجة".
وحسب "سي إن إن"، يبدو أن الشعب الأمريكي يأمل بشدة ألا تكون هناك حاجة للقوات البرية. وأظهر استطلاع رأي أجرته الشبكة الأمريكية بعد وقت قصير من بدء الحرب أن الأمريكيين يعارضون إرسال القوات البرية بنسبة 5 إلى 1، أي 60% مقابل 12%.
وبالمثل، أظهر استطلاع رأي لاحق أجرته جامعة "كوينيبياك"، أن الفارق بين الناخبين المسجلين بلغ قرابة أربعة أضعاف: 74% مقابل 20%.
وفي كلا الاستطلاعين، حتى الجمهوريون -الذين عادوا في الأشهر الأخيرة إلى نهجهم المتشدد، الذي ساد مطلع القرن الحادي والعشرين- عارضوا الفكرة بأغلبية ساحقة.
وأيّد 27% فقط من الجمهوريين الفكرة في استطلاع "سي إن إن"، بينما أيّدها 37% فقط من الناخبين الجمهوريين المسجلين في استطلاع "كوينيبياك".
وأشارت استطلاعات الرأي حول تحركات ترامب العسكرية السابقة، الضربات على إيران، يونيو الماضي، وإطاحته بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يناير 2026، إلى أن أقلية لا بأس بها من الأمريكيين كانت موافقة على الضربات العسكرية القصيرة، ولكن ليس على أكثر من ذلك. وكان الرفض لوجود قوات برية في فنزويلا مماثلًا للوضع الحالي في إيران.
وحسب "سي إن إن"، من المؤكد أن هذا قد يتغير، مشيرة إلى أن الجمهوريين الذين عارضوا فكرة العمل العسكري، غيروا آراءهم بمجرد أن أقدم ترامب على هذه الإجراءات. وأظهر استطلاع رأي أجرته "سي إن إن"، أن 77% من الجمهوريين أيدوا الضربات المبكرة لإيران، لكن 37% فقط أيّدوها "بشدة".
ولفتت الشبكة الأمريكية إلى أن الحرب أدت إلى انقسام متزايد بين الطبقة المؤثرة في الحزب الجمهوري، وهي ظاهرة قد تنتقل تدريجيًا إلى القاعدة الشعبية. تحذر شخصيات يمينية بارزة ترامب من أن هذه الحرب تهدد بتفكيك تحالفه.
ومن اللافت للنظر أن بعض الجمهوريين في الكونجرس يحذرون ترامب، بشكل استباقي تقريبًا، من إرسال قوات برية.
وأصر السيناتور ريك سكوت من فلوريدا، في حديثه مع "سي إن إن"، الأسبوع الماضي، على أن ترامب "لا يرغب في إرسال قوات برية". وبالمثل، صرّح النائب تيم بيرشيت من تينيسي للشبكة الإخبارية، بأن ترامب يعلم أنه لا يوجد "رغبة" في مثل هذا الأمر. بينما يحث آخرون، مثل النائبة نانسي ميس من كارولاينا الجنوبية، والسيناتور جوش هاولي من ميسوري، ترامب على اتباع نهج مختلف.
وكعادته، كان السيناتور جون كينيدي من لويزيانا الأكثر صراحة، إذ صرّح لشبكة "فوكس نيوز"، 8 مارس الجاري: "إذا أرسل قوات، فسيكون صوت الارتطام الذي ستسمعونه هو صوت سقوطي على وجهي، لأنني سأفقد الوعي".
قد يخشى هؤلاء الجمهوريون التداعيات طويلة الأمد لمثل هذه الخطوة بقدر ما يخشون ردة الفعل الأولية من الشعب الأمريكي. فوجود قوات برية، في نهاية المطاف، سيزيد من احتمالية وقوع المزيد من الخسائر في صفوف الأمريكيين. سيكون هذا هو الحد الذي يهدد فيه هذا الصراع بالتحول إلى حرب تقليدية، وهو نوع أوضح الأمريكيون جليًا أنهم لا يريدون المشاركة فيه. لكن المعارضة الشعبية لم توقف ترامب من قبل، "فلماذا ستفعل ذلك الآن؟".