تستعد البنوك المركزية الكبرى لإصدار تقييماتها الأولى بشأن التهديدات الاقتصادية الناجمة عن الصراع الإيراني الأمريكي، وسط تزايد المخاوف من عودة موجة تضخمية جديدة تقوض آمال خفض أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة هذا العام.
يجتمع هذا الأسبوع كل من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، البنك المركزي الأوروبي، بنك إنجلترا، وبنك كندا، في ظل صدمة إمدادات عالمية جديدة، بعد أن اقتربت من إحراز نصر على الموجة التضخمية التي أعقبت جائحة كورونا.
وحذر جينز لارسن، المسؤول السابق في بنك إنجلترا والعامل حاليًا في "يوراسيا جروب"، من احتمال "الانجراف نحو اضطرابات طويلة الأمد وصدمات كبيرة في النفط والغاز"، مؤكدًا أن البنوك المركزية الكبرى "لا تستطيع أن تبدو مطمئنة في ضوء التجربة الأخيرة"، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز".
ارتفاع توقعات التضخم
بدأ اقتصاديو القطاع الخاص رفع توقعاتهم للتضخم مع تقييمهم لمخاطر ارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إذ أظهر استطلاع "كونسينسس إيكونوميكس" يوم الخميس، أن المحللين رفعوا توقعاتهم للتضخم في 2026 لمعظم دول مجموعة السبع والدول الأوروبية الغربية.
ويُتوقع الآن أن يبلغ متوسط التضخم في منطقة اليورو 2.1% متجاوزًا هدف البنك المركزي البالغ 2%، فيما سيصل التضخم البريطاني إلى 2.6% مقابل 2.5% سابقًا، بينما تشهد الولايات المتحدة نموًا في الأسعار بنسبة 2.7%، وفقًا للصحيفة البريطانية.
وأدى ارتفاع النفط لنحو 100 دولار للبرميل وتصاعد أسعار الغاز الطبيعي واحتمال نقص الأسمدة، إلى تحول كبير في توقعات السوق بشأن أسعار الفائدة.
ويتوقع المتداولون الآن زيادة واحدة على الأقل من البنك المركزي الأوروبي قبل نهاية العام، بينما يضعون احتمالات لأن تكون الخطوة التالية لبنك إنجلترا رفعًا أيضًا.
أما في الولايات المتحدة، فتشير بيانات "سي إم إي جروب" إلى أن 47% من متداولي أسعار الفائدة يعتقدون أنه لن تكون هناك أي تخفيضات بحلول نهاية العام، مقارنة بـ5% فقط قبل شهر.
اختلافات عن أزمة 2022
يشير بول هولينجزوورث، الاقتصادي في بنك "بي إن بي باريبا"، إلى فروق جوهرية قد تجعل موجة تضخمية واسعة أقل احتمالًا هذه المرة، ففي 2022، كان التضخم متصاعدًا قبل تقليص روسيا لإمدادات الغاز، وكانت السياسة النقدية محفزة بأسعار فائدة منخفضة جدًا، بينما السياسة الآن تقييدية في الاقتصادات الرائدة.
كما أن أسواق العمل أصبحت أكثر مرونة، حيث انخفض عدد الوظائف الشاغرة إلى النصف تقريبًا من مستويات 2022 في بريطانيا والولايات المتحدة، مما يخفف مخاطر ترجمة ارتفاع الأسعار إلى نمو أسرع في الأجور.
وقال جيمس سميث، اقتصادي في بنك "آي إن جي"، إن العمال في 2022 "كانت لديهم القدرة على تغيير الوظائف والسعي وراء أجور أعلى، وهذا غير صحيح اليوم".
مخاطر محتملة
مع ذلك، حذر نيل شيرينج في شركة "كابيتال إيكونوميكس" للاستشارات الاقتصادية البريطانية، من أنه في حال بقاء مضيق هرمز مغلقًا، فإن "الصدمة الناتجة قد تتضاءل أمامها تلك التي أطلقها فقدان إمدادات الطاقة الروسية"، مؤكدًا أن "المسألة الأساسية هي مدة الصراع".
وما يجعل الوضع خطيرًا بشكل خاص أن المستهلكين لا يزالون يحملون ندوب الارتفاع الحاد في الأسعار خلال السنوات الخمس الماضية، إذ ارتفعت أسعار المستهلكين في بريطانيا والاتحاد الأوروبي بنحو 20% منذ نهاية 2021، والزيادة أكثر وضوحًا في الغذاء والمشروبات غير الكحولية التي ارتفعت بأكثر من 30% في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وبنسبة 18% في الولايات المتحدة، وفقًا لحسابات "فاينانشال تايمز".
ويشتبه صناع السياسات في أن توقعات التضخم قد ترتفع بسرعة مجددًا إذا حدثت قفزة جديدة في أسعار السلع.
درس 2022
قالت جوزي أندرسون، الاقتصادية في مؤسسة "نومورا"، إن "حساسية البنك المركزي الأوروبي تجاه صدمات العرض باتت أعلى الآن مقارنة بما قبل الجائحة، وذلك بسبب أزمة الغاز الأوروبية والتأثيرات المتتالية التي أثبتت خطورتها"، كما أن البنوك المركزية، التي وصفت موجة التضخم السابقة بأنها "عابرة"، لا تريد تكرار الخطأ نفسه مرتين.
من جانبه، توقع موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي والأستاذ الحالي في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، أن يكثر محافظو البنوك المركزية من "الحديث عن اليقظة والحذر" خلال الأيام المقبلة، حتى لو لم تكن هناك إجراءات فورية.
وأضاف أوبستفيلد: "الدرس المستفاد من عام 2022 هو عدم الاستخفاف بوصف أي أزمة بأنها مؤقتة، لقد وقعوا في هذا الخطأ عام 2022 ولن يكرروه في 2026".