أمسية استثنائية شهدتها النسخة الـ 98 من حفل توزيع جوائز الأوسكار، امتزجت فيها الإنجازات السينمائية بالرسائل السياسية والإنسانية، في ظل توتر عالمي وتحديات متزايدة تواجه صناعة السينما، إذ تصدر فيلم "معركة تلو الأخرى" قائمة الفائزين، محققًا 6 جوائز كبرى، من بينها جائزة أفضل فيلم، ليؤكد حضوره القوي في واحد من أهم الأحداث السينمائية العالمية.
هيمنة "معركة تلو الأخرى"
فيلم الإثارة السياسية الذي تدور أحداثه في نسخة بوليسية من الولايات المتحدة، حقق نجاحًا لافتًا خلال حفل الأوسكار، حيث حصد 6 جوائز، فبجانب جائزة أفضل فيلم، فاز أيضًا مخرج الفيلم بول توماس أندرسون بجائزة أفضل مخرج، بالإضافة إلى جائزة أفضل سيناريو مقتبس.
وخلال كلمته أثناء تسلمه جائزة أفضل سيناريو مقتبس، أوضح أندرسون أن هناك دافعًا شخصيًا وراء كتابة الفيلم، قائلًا إنه كتب العمل من أجل أبنائه، في محاولة للاعتذار لهم عما وصفه بالفوضى التي تركها الجيل الحالي في العالم، وفي الوقت ذاته لتشجيعهم على أن يكونوا الجيل الذي يعيد المنطق والنزاهة إلى المستقبل.
حضور قوي لـ "الخطاة"
جاء فيلم "الخطاة" في المرتبة الثانية من حيث عدد الجوائز، إذ حصد أربع جوائز بارزة، من بينها جائزة أفضل سيناريو أصلي التي فاز بها المخرج والكاتب ريان كوجلر، بالإضافة إلى جائزة أفضل أداء تمثيلي للممثل مايكل بي جوردان.
جوردان الذي نال إشادة نقدية عن دوره، أعرب في كلمته بعد الفوز، عن امتنانه العميق، قائلًا بتأثر: "الله كريم"، قبل أن يوجه الشكر إلى ريان كوجلر، مشيرًا إلى أن التعاون بينهما امتد عبر خمسة أفلام روائية، وأنه منحه الفرصة والمساحة لإبراز قدراته الفنية.
إنجازات وارنر بروس
جاءت معظم الجوائز الكبرى لهذا العام لصالح أفلام من إنتاج شركة وارنر بروس، التي أصدرت كلا الفيلمين الفائزين "معركة تلو الأخرى" و"الخطاة"، وبذلك اختتمت الشركة عامًا ناجحًا في 2025، شهد أيضًا إصدار أعمال حققت نجاحًا جماهيريًا مثل "سوبرمان" و"ماينكرافت" و"أسلحة".
ورغم هذه النجاحات الفنية والتجارية، تمر الشركة بمرحلة فاصلة، إذ أبرمت وارنر بروس ديسكفري صفقة لبيع نفسها لشركة باراماونت مقابل نحو 111 مليار دولار، وفي حال حصول الصفقة على موافقة الجهات التنظيمية، فمن المتوقع أن تؤدي إلى تسريح آلاف العاملين، وقد تفتح الباب أمام موجة جديدة من عمليات الاندماج والاستحواذ في صناعة السينما، التي تشهد بالفعل خسائر واسعة في الوظائف.
جوائز التمثيل
في فئة أفضل ممثلة رئيسية، فازت جيسي باكلي عن أدائها في فيلم "هامنت"، حيث جسدت دور امرأة تواجه مأساة فقدان ابنها الصغير، وأشارت باكلي في كلمتها، إلى أن فوزها جاء بالتزامن مع عيد الأم في المملكة المتحدة، وأهدت الجائزة إلى الأمهات القادرات على الاستمرار في الإبداع رغم أي تحديات.
أما جائزة أفضل ممثل مساعد، فقد ذهبت إلى شون بن عن دوره في فيلم "معركة تلو الأخرى"، حيث لعب شخصية جندي عنصري يسعى للانضمام إلى جمعية سرية، ولم يحضر بن الحفل لتسلم الجائزة، وبذلك يصبح رابع ممثل في تاريخ الأوسكار يفوز بثلاث جوائز، بعد دانيال داي لويس وجاك نيكلسون ووالتر برينان، وعلّق مقدم الحفل كيران كولكين مازحًا على غياب بن، قائلًا إنه ربما لم يتمكن من الحضور، أو ربما لم يرغب في ذلك.
وفي فئة أفضل ممثلة مساعدة، فازت الممثلة المخضرمة إيمي ماديجان عن دورها في فيلم "أسلحة"، حيث جسدت شخصية ساحرة بمكياج جريء.
ماديجان التي كان آخر ترشيح لها للأوسكار عام 1985 عن فيلم "مرتان في العمر"، قالت في كلمتها المؤثرة: "مر أربعون عامًا، وما المختلف هذه المرة؟ المختلف هو هذا التمثال الذهبي الصغير".
أجواء سياسية ورسائل إنسانية
لم تخلُ الأمسية من المواقف السياسية والرسائل الإنسانية، فقد استغل عدد من النجوم ظهورهم على المسرح؛ للتعبير عن مواقفهم تجاه قضايا عالمية مختلفة.
وخلال تقديمه جائزة أفضل فيلم روائي دولي لفيلم "القيمة العاطفية"، قال الممثل الإسباني خافيير بارديم عبارة مقتضبة أثارت تفاعل الحضور: "لا للحرب، وفلسطين حرة".
كما فاز الفيلم الوثائقي "السيد لا أحد ضد بوتين" بجائزة أفضل فيلم وثائقي طويل، وهو عمل للمخرج ديفيد بورنشتاين حول الحرب الروسية الأوكرانية.
لحظات تاريخية
في فئة أفضل فيلم رسوم متحركة، فاز فيلم "صائدو شياطين الكيبوب"، وهو أحد أكثر الأعمال مشاهدة على منصة نتفليكس، كما فاز الفيلم بجائزة أفضل أغنية أصلية عن أغنيته "golden"، وأكدت المخرجة المشاركة ماجي كانج، خلال كلمتها، أهمية هذا الفوز في تمثيل المجتمع الكوري في السينما العالمية.
وشهدت هذه الدورة أيضًا عدة لحظات تاريخية، من بينها فوز كاساندرا كولوكونديس بأول جائزة أوسكار تُمنح في فئة اختيار الممثلين عن فيلم "معركة تلو الأخرى".
كما حدث تعادل نادر في فئة أفضل فيلم قصير بين فيلمي Two People Exchanging Saliva وthe singers، إذ فوجئ الممثل كميل نانجياني خلال فتح المظروف باسمين، فخاطب الجمهور قائلًا: "إنه تعادل".
كذلك صنعت المصورة السينمائية أوتوم دورالد أركاباو، التاريخ؛ بعدما أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة أفضل تصوير سينمائي عن عملها في فيلم "الخطاة"، محطمةً بذلك احتكارًا ذكوريًا استمر لقرابة قرن من الزمان في هذه الفئة.
تحديات الصناعة
أُقيم الحفل هذا العام في وقت تواجه فيه صناعة السينما تحديات كبيرة، أبرزها تراجع إقبال الشباب على دور العرض السينمائي، إذ يتجه الكثير منهم إلى منصات مثل الألعاب الإلكترونية ويوتيوب بدلًا من السينما التقليدية، كما لم تعُد إيرادات شباك التذاكر العالمية إلى مستوياتها قبل جائحة كورونا.
وزادت الظروف السياسية من حساسية الأجواء، خصوصًا مع تصاعد التوترات الدولية والحرب الدائرة في إيران، وبسبب تحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي من احتمال وقوع هجوم بطائرة مُسيّرة على ولاية كاليفورنيا، تم تعزيز الإجراءات الأمنية بشكل غير مسبوق، حيث انتشرت كلاب الشرطة على السجادة الحمراء، فيما حلقت طائرات هليكوبتر في سماء المنطقة المحيطة بموقع الحفل.
رسالة تفاؤل
عاد المقدم كونان أوبراين لتقديم الحفل للعام الثاني على التوالي، وافتتح الأمسية بفيديو ساخر ظهر فيه وهو يهرب من مجموعة من الأطفال عبر مشاهد مستوحاة من أفلام مرشحة للأوسكار مثل "فورمولا 1" و"القيمة العاطفية"، مرتديًا زي شخصية "العمة جلاديس" من فيلم "الأسلحة".
وخلال المونولوج الافتتاحي، سخر أوبراين من عدة موضوعات، من بينها تصريحات تيموثي شالاميه حول رفضه للأوبرا والباليه، وكذلك محاولة نتفليكس الفاشلة للاستحواذ على شركة وارنر بروس ديسكفري.
لكن المقدم انتقل في نهاية حديثه إلى نبرة أكثر جدية، مؤكدًا أن العالم يعيش أوقاتًا مضطربة، وأن السينما تظل مساحة للتعاون والأمل، وقال إن الحفل هذا العام يضم ممثلين عن 31 دولة من ست قارات، وإن كل فيلم يتم تكريمه هو نتيجة جهود آلاف الأشخاص الذين يعملون معًا رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم.
واختتم أوبراين كلمته، قائلًا إن الاحتفال بالسينما ليس لأن كل شيء على ما يرام، بل لأن العالم ما زال يؤمن بإمكانية العمل معًا من أجل مستقبل أفضل.