تشهد العاصمة الروسية موسكو انقطاعات واسعة في خدمة الإنترنت المحمول منذ بداية شهر مارس، في خطوة يُعتقد أنها جزء من إجراءات حكومية لتشديد السيطرة على الفضاء الرقمي، ما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة وأربك حياة السكان والخدمات اليومية.
انقطاعات الإنترنت
وفق بيانات صادرة عن مركز مراقبة تابع لهيئة الرقابة الروسية على الإنترنت "روسكومنادزور"، انخفض متوسط حركة الإنترنت المحمول في وسط موسكو بنحو 20% مقارنة بالشهر السابق، منذ بدء الانقطاعات في 5 مارس.
وأفادت تقارير إعلامية محلية بارتفاع ملحوظ في مبيعات أجهزة الاتصال التقليدية، مثل أجهزة اللاسلكي والبيجر والهواتف الأرضية.
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن أحد سكان موسكو قوله إن الاتصال بالإنترنت يختفي فجأة أثناء التنقل في الطرق الرئيسية وسط المدينة، ما يؤدي أيضًا إلى تعطّل خدمات تحديد المواقع (GPS).
نظام "القائمة البيضاء"
بعد نحو أسبوع من بدء الانقطاع شبه الكامل للإنترنت المحمول في وسط العاصمة، بدأت بعض المواقع الإلكترونية المعتمدة من الحكومة بالعودة للعمل عبر ما يُعرف بنظام "القائمة البيضاء"، الذي يسمح بالوصول إلى مواقع محددة مثل الخدمات الحكومية والبنوك وبعض المتاجر الإلكترونية ووسائل الإعلام الموالية للكرملين.
وفي ظل هذه القيود، نصحت وسائل إعلام رسمية السكان بحمل النقود لتجنب مشاكل الدفع الإلكتروني، واستخدام المكالمات الهاتفية التقليدية لطلب سيارات الأجرة. كما اقترح أحد نواب مجلس الدوما تركيب "هواتف عمومية مزودة بخدمة الإنترنت".
أسباب أمنية
من جانبها، أقرت السلطات الروسية بوجود الانقطاعات، لكنها لم تقدم تفسيرًا مفصلًا لأسبابها. واكتفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بالقول إن ما يحدث هو "إجراءات أمنية منهجية"، مؤكدًا أن "هذه التدابير ستستمر طالما دعت الحاجة".
وتشير تقديرات بعض المحللين إلى أن القرار قد يكون اتُّخذ بدفع من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، في إطار تشديد الإجراءات الأمنية ومواجهة تهديدات الطائرات المُسيَّرة الأوكرانية.
كما يرى محللون أن تجربة "القائمة البيضاء" على الإنترنت المحمول قد تكون تمهيدًا لتطبيقها لاحقًا على الإنترنت المنزلي، في إطار تشديد السيطرة على الفضاء الرقمي في روسيا.
تغيير الأولويات
يقول نشطاء في مجال الحقوق الرقمية إن السلطات الروسية حاولت خلال السنوات الماضية تقليل تأثير الحرب على الحياة اليومية للمواطنين في العاصمة، إلا أن الأولويات تغيرت الآن، حيث باتت الاعتبارات الأمنية تتقدم على الراحة والخدمات الرقمية التي اعتاد عليها السكان.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه القيود قد يعيد واحدة من أكثر المدن تطورًا رقميًا في أوروبا الشرقية إلى الاعتماد على وسائل اتصال تقليدية، في ظل تراجع الوصول الحر إلى شبكة الإنترنت العالمية.
خسائر اقتصادية
يرى خبراء أن القيود المفروضة على الإنترنت تسببت في أضرار اقتصادية جسيمة. فقدّر خبير الأمن السيبراني دميتري زايير-بيك الخسائر اليومية بما يتراوح بين مليار وملياري روبل (نحو 12.5 إلى 25 مليون دولار).
وأوضح أن هذه الخسائر تشمل تعطل البنية التحتية للحوسبة السحابية، واضطرابات في عمليات الدفع بالتجزئة، إضافة إلى توقف مراكز الخدمات اللوجستية التي تعتمد بشكل أساسي على الاتصال بالإنترنت العالمي.