الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش في ذكرى ميلاده الـ85
لا يزال يسأل:
إلى أَين تأخُذُني يا أَبي؟
إلى جِهَةِ الريحِ يا وَلَدي..
ذات يوم ذهب الكاتب والروائي يوسف القعيد إلى الشاعر محمود درويش وسأله: أستاذ محمود.. ماذا تكتب هذه الأيام؟
وكانت "تلك الأيام" عام 1984، بعد فترة صمت لم تستمر طويلًا رد: أكتب عملًا شعريًا كبيرًا عنوانه: "البيوت".
علَّق يوسف القعيد مستفهمًا وسائلًا: ولماذا البيوت" ثم أكمل قائلًا: ومن أين استوحيت فكرتها؟
كان اللقاء على نيل القاهرة بعد فترة غياب واغتراب وابتعاد عن مصر طالت سنوات، وقبل أن يرد محمود درويش نفث دخان سيجارته في وجه النيل الذي يجلس على ضفافه، وقال: "انتبهت فجأة بعد خروجي من بيروت إلى عدد البيوت التي سكنتها وفي ساعة حزن شديد حاولت أن أحصى عدد هذه البيوت.
قال ذلك ثم سكت وأشعل سيجارة جديدة ووقف يتمشى في المكان وكأنه يتذكر هذه البيوت وشوارعها.
سأله يوسف القعيد: وكم كان عدد هذه البيوت؟
ردَّ: 25 بيتًا يا يوسف
وقبل أن يواصل القعيد حديثه بسؤال آخر، قال درويش: أكتب الآن حياتى في كل بيت من هذه البيوت.
ثم قال بصوت حزين: إنها تلخص سيرة حياة من الاغتراب والرحيل والتعايش مع توقف لا ينتهي.
في هذه القصيدة (قصيدة البيوت) التي كتبها محمود درويش يقول فيها: إلى أَين تأخُذُني يا أَبي؟
إلى جِهَةِ الريحِ يا وَلَدي..
وَهُما يَخْرُجانِ مِنَ السَهْل،
حَيْثُ أقام جنودُ بونابرتَ
تلًّا لِرَصْدِ الظلال
على سور عَكَّا القديم
يقولُ أَبٌ لابنِهِ: لا تَخَفْ..
لا تَخَفْ من أَزيز الرصاص!
التصِقْ بالتراب لتنجو!
سننجو ونعلو على جَبَلٍ في الشمال، ونرجعُ حين يعود الجنودُ إلى أهلهم في البعيد
ومن يسكُنُ البَيْتَ من بعدنا يا أَبي؟ سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي!
تَحَسَّسَ مفتاحَهُ مثلما يتحسَّسُ أَعضاءه، واطمأنَّ..
وقال لَهُ وهما يعبران سياجًا من الشوكِ: يا ابني تذكَّرْ!
هنا صلَبَ الإنجليزُ أباك على شَوْك صُبَّارة ليلتين،
ولم يعترف أَبدًا..
سوف تكبر يا ابني، وتروي لمن يَرِثُون بنادِقَهُمْ سيرةَ الدم فوق الحديد..
لماذا تركتَ الحصان وحيدًا؟
لكي يُؤْنسَ البيتَ، يا ولدي، فالبيوتُ تموتُ إذا غاب سُكَّانُها
واليوم، 13 مارس 2026، في الذكري الـ85 لميلاد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش لا يزال صوته يتردد بيننا ويسأل بين البيوت والجدران: إلى أَين تأخُذُني يا أَبي؟
•• الأحداث حقيقية والسيناريو من خيال الكاتب
•• المصدر: مجلة المصور: عدد 8 فبراير - 1984