الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

من "حكاية نرجس" إلى "مناعة".. كيف استلهمت دراما رمضان 2026 حكاياتها من الواقع؟

  • مشاركة :
post-title
هند صبري

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

لم تكن الدراما يومًا بعيدة عن نبض المجتمع، بل ظلت دائمًا مرآة تعكس قضاياه وتحولاته الإنسانية، فتستمد خيوط حكاياتها من الواقع وتعيد صياغتها في قالب فني قادر على إثارة الأسئلة وفتح أبواب النقاش، وفي موسم رمضان 2026 اتجه عدد من صُنّاع الدراما إلى استلهام قصص حقيقية هزّت المجتمع المصري في فترات مختلفة، وتحويلها إلى أعمال تلفزيونية تكشف خفايا الجرائم الاجتماعية وتعقيدات النفس البشرية.

ومن بين هذه الأعمال، برزت مسلسلات مثل "حكاية نرجس" و"منّاعة"، إضافة إلى واقعية أحداث مسلسل "عرض وطلب" التي اقتربت من ملفات اجتماعية حساسة شهدها الواقع.

"حكاية نرجس".. دراما تعيد "عزيزة بنت إبليس"

مع بداية النصف الثاني من شهر رمضان، عُرض مسلسل "حكاية نرجس" بطولة ريهام عبدالغفور، ليعيد فتح واحدة من أكثر الجرائم الاجتماعية غرابة وإيلامًا في تاريخ المجتمع المصري.

ويستند العمل إلى قصة المرأة التي عُرفت بلقب "عزيزة بنت إبليس"، وهي سيدة تحولت حياتها إلى مأساة بعد معاناتها من العقم في زواجها الأول، الأمر الذي دفعها إلى ارتكاب سلسلة من الجرائم التي غيّرت مصير عدد من العائلات.

وتعود تفاصيل القصة إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي في محافظة الإسكندرية، حين قررت عزيزة بعد زواجها الثاني أن تخدع من حولها بادعاء الحمل، إذ كانت تحشو ملابسها بالقطن والقماش لتبدو بطنها منتفخة، وتعيش تسعة أشهر كاملة من الكذب حتى يقترب موعد "الولادة" المزعومة لكنها لم تنجب طفلًا، بل سرقته.

كانت تتجه إلى الأسواق والمستشفيات، وتقترب من الأمهات الفقيرات، وفي لحظة غفلة تختطف الطفل الرضيع وتختفي، وعندما تعود إلى منزلها ليلًا تبدأ في تمثيل مشهد الولادة، مطلقة صرخات ألم مزيفة وضجيجًا واستغاثة، فيجتمع الجيران حول المنزل، وبعد دقائق تعلن ولادة طفل جديد فيصدق الجميع الرواية، وبعد أيام قليلة تتمكن من استخراج شهادة ميلاد رسمية باسم الطفل على أنه ابنها.

وكشفت التحقيقات لاحقًا أن الأمر لم يكن حادثة واحدة، بل سلسلة من عمليات خطف الأطفال الرضع، إذ كررت الجريمة مع طفلين آخرين ليبدو الأمر وكأنهم أبناؤها، وهم بالترتيب إسلام وهشام ومحمد، وتطورت الجرائم لاحقًا لتشمل خطف الأطفال بغرض بيعهم مقابل نحو خمسة آلاف جنيه للطفل الواحد، بمساعدة سيدات أخريات.

"منّاعة".. حكاية صعود إمبراطورة الكيف في الباطنية

وفي النصف الأول من موسم رمضان عُرض مسلسل "منّاعة" بطولة هند صبري، وهو عمل استلهم أحداثه من قصة حقيقية شهدها حي الباطنية في ثمانينيات القرن الماضي.

تجسد هند صبري في العمل شخصية "غرام"، المستوحاة من قصة نبوية عبدالتواب، المعروفة بلقب "المعلمة منّاعة"، التي تحولت إلى واحدة من أشهر تاجرات المخدرات بعد مقتل زوجها.

وتعود جذور الحكاية إلى حي الباطنية في القاهرة، الذي لم يُعرف في بداياته سوى كأحد الأحياء الشعبية، قبل أن يتحول تدريجيًا منذ أواخر الأربعينيات إلى مركز لتجارة المخدرات، وهو النشاط الذي ازدهر بشكل ملحوظ خلال الثمانينيات.

برز اسم نبوية، ابنة أحد التجار المعروفين في المنطقة، بعد وفاة زوجها ووالدها في فترات متقاربة، لتجد نفسها مسؤولة عن أربعة أبناء، وبدأت حياتها العملية ببيع الخضروات، لكن ضغوط الحياة وعلاقات العائلة القديمة دفعتها تدريجيًا إلى دخول عالم "الكيف".

وأطلقت على نفسها لقب "المعلمة منّاعة"، لتبدأ ببيع المخدرات بالتجزئة، ثم تصعد سريعًا لتصبح تاجر جملة، حتى تحولت إلى الاسم الأبرز في هذه السوق قبل أن تسقط في قبضة السلطات.

"عرض وطلب".. دراما تلامس قضية تجارة الأعضاء

وعلى جانب آخر، ورغم أن صُنّاع مسلسل "عرض وطلب" لم يعلنوا أنه مأخوذ عن قصة حقيقية، فإن واقعية أحداثه واقترابها من ملف تجارة الأعضاء البشرية جعلته يبدو قريبًا من قصص شهدها الواقع.

وتتطور الأحداث مع دخول شخصية هبة، التي تجسدها سلمى أبو ضيف، إلى عالم تجارة الأعضاء في محاولة يائسة لإنقاذ حياة والدتها.

وتبدأ هبة في وضع خطة مع خيرية التي تقدمها رحمة أحمد، وكابونجا الذي يجسده علي صبحي، للبحث عن متبرعين بالكلى ومساعدتهم مقابل المال، في خطوة تعكس الصراع الأخلاقي الذي تعيشه الشخصية بين إنقاذ والدتها والانخراط في عالم محفوف بالمخاطر.

وتجد هبة نفسها مضطرة إلى هذا الطريق بعد تدهور الحالة الصحية لوالدتها فاتن، ومعاناتها من ضيق الحال وقلة المال، إلى جانب إحباطها من عملها في التدريس، ما يدفعها إلى اتخاذ قرارات مصيرية تغيّر مسار حياتها بالكامل.

عمرو الدالي: استلهمنا الفكرة فقط وبقية الأحداث درامية

من جهته، كشف السيناريست عمرو الدالي أن فكرة مسلسل "مناعة" عُرضت عليه في البداية من قبل مخرج العمل، واستلهم العمل خيطًا دراميًا من قصة امرأة قررت استكمال رحلة زوجها في تجارة المخدرات.

وقال "الدالي"، في تصريحات لموقع "القاهرة الإخبارية" إن الاتفاق منذ البداية كان على تقديم عمل يحمل طابعًا تشويقيًا ممتعًا تدور أحداثه في حي الباطنية، مع استحضار أجواء فترة الثمانينيات، خاصة واقعة المداهمة الشهيرة التي شهدها الحي عام 1985.

وأوضح أن المسلسل استلهم فقط فكرة دخول امرأة إلى هذا العالم، بينما بقية الأحداث من الخيال، ولا ترتبط بشكل مباشر بالقصة الحقيقية أو بأي وقائع محددة.

طارق الشناوي: الواقع هو الوقود الدائم للدراما.. و"حكاية نرجس" استثناء

أكد الناقد الفني طارق الشناوي أن العلاقة بين الدراما والواقع وثيقة، موضحًا أن معظم الأعمال الدرامية تستمد حكاياتها وأفكارها من الواقع بشكل أو بآخر، حتى لو لم تكن مستندة إلى واقعة محددة بعينها.

وقال "الشناوي"، لموقع "القاهرة الإخبارية" إن وجود عمل درامي مستوحى من جريمة أو حادثة حقيقية لا يعني أن هذا الأمر استثنائي، بل على العكس، فالواقع يظل المصدر الأساسي الذي تستلهم منه الدراما قصصها وشخصياتها.

وأوضح أن بعض الوقائع التي تحظى باهتمام إعلامي واسع قد تبدو وكأنها الحالة الوحيدة التي استلهم منها العمل الفني، مثل قصص السفاحين أو الجرائم الشهيرة، لكن الحقيقة أن مثل هذه الشخصيات موجودة في الحياة، حتى وإن لم تكن مرتبطة دائمًا بواقعة بعينها.

المسافة الضرورية بين الواقع والدراما

وأشار الشناوي إلى أن الدراما لا يمكنها نقل الواقع كما هو، بل يجب أن تخلق مسافة فنية بين الحقيقة والعمل الدرامي.

وأضاف أن الواقع قد يتضمن كثيرًا من الصدف أو الأحداث غير المبررة، بينما تفرض الدراما على صُنّاعها البحث عن الدوافع والأسباب التي تقف وراء كل حدث.

وقال إن مهمة الكاتب والمخرج لا تقتصر على إعادة سرد الواقعة، بل تتجاوز ذلك إلى تحليلها وكشف أبعادها النفسية والإنسانية، والبحث عما وراء الحدث نفسه من دلالات ومعانٍ أعمق.

قراءة لما وراء الجريمة

وفي تعليقه على مسلسل حكاية نرجس، أشار "الشناوي" إلى أن العمل يُعد من النماذج التي حاول فيها صُنّاع الدراما تجاوز مجرد عرض الجريمة إلى محاولة فهم دوافعها وتحليلها.

وأوضح أن الكاتب والمخرج في هذا العمل لم ينشغلا فقط بجرأة الحدث وقسوته، بل سعيا إلى التوقف أمام أبعاده النفسية والاجتماعية، والبحث عن الدلالات التي تقف خلف تلك الجريمة الصادمة.

وفي مقارنته بين الأعمال المستوحاة من الواقع، أشار "الشناوي" إلى أن بعض القصص الحقيقية قد تبدو مألوفة ومتكررة، حتى وإن كانت وقائع حقيقية بالفعل،

ولفت إلى أن بعض الأعمال قد تستند إلى أحداث واقعية لكنها لا تقدم جديدًا على مستوى الفكرة، لأنها تشبه كثيرًا قصصًا شاهدها الجمهور من قبل.

في المقابل، يرى أن بعض القصص تحمل قدرًا من الخصوصية والاستثناء يجعلها أكثر جاذبية دراميًا، وهو ما ينطبق -بحسب رأيه- على قصة حكاية نرجس، التي تتسم بقدر من التفرد والاختلاف مقارنة بالعديد من الحكايات الأخرى.

وأوضح أن تميز مثل هذه القصص لا يعود فقط إلى غرابة الواقعة، بل أيضًا إلى طريقة تناولها دراميًا والبحث في أعماقها النفسية والإنسانية، وهو ما يمنحها القدرة على جذب الجمهور وإثارة النقاش حولها.