الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

العالم يكتوي بنار الحرب.. صدمة الطاقة تعمّق أزمات الاقتصادات الكبرى

  • مشاركة :
post-title
أزمة النفط تتفاقم مع تخوفات استمرار الأزمة لما بعد مارس

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

أعادت الحرب مع إيران تسليط الضوء على الفوارق الهيكلية بين الاقتصادات الكبرى في قدرتها على امتصاص صدمات الطاقة. ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تقديرات محللين ومؤسسات اقتصادية تفيد بأن الدول المعتمدة على واردات الطاقة ستواجه ضغوطًا أكبر مقارنة بالولايات المتحدة.

ضربة لأوروبا

يشير محللون إلى أن الهجوم الذي شنّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران قد يوجّه ضربة أكبر للاقتصادات الأوروبية والآسيوية مقارنة بالولايات المتحدة، التي تحظى بحماية جزئية بفضل قطاع الطاقة المحلي الضخم لديها.

وتُظهر الأرقام الرسمية أن الولايات المتحدة كانت مصدرًا صافيًا للغاز الطبيعي منذ عام 2017، وللنفط منذ عام 2020، ما يعني أن قطاع الطاقة فيها يستفيد من ارتفاع الأسعار، رغم تضرر الأسر الأمريكية من ارتفاع تكاليف البنزين.

في المقابل، تواجه الاقتصادات الأوروبية والآسيوية المعتمدة على واردات الطاقة ارتفاعًا أشد في معدلات التضخم. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن أسعار الغاز الطبيعي في تلك الأسواق أكثر تقلبًا مقارنة بالولايات المتحدة، وقد ارتفعت بالفعل، كما أن هذا الوقود يعد أساسيًا في أسواق الطاقة المحلية لديها.

وقال جيمس نايتلي، من بنك ING، إن الولايات المتحدة معزولة لكنها ليست محصنة من الضرر، موضحًا أن ذلك يعود إلى أن البلاد لن تعاني من انقطاع إمدادات السلع الأساسية الذي قد تشهده مناطق أخرى.

وضع سيئ للجميع

وقال ديفيد إيكمان، رئيس معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية الوطني Niesr: "إن الجميع سيكونون في وضع أسوأ؛ لأن ارتفاع التكلفة، بوصفها عاملًا رئيسيًا من عوامل الإنتاج، يؤثر في جميع الاقتصادات"، موضحًا أن تأثير هذه الصدمة سيكون متفاوتًا بين الدول نظرًا لاختلاف درجة اعتمادها على واردات الطاقة ومصادرها البديلة.

وقفز خام برنت بنحو 30% الأسبوع الماضي عقب اندلاع الحرب، في حين أنهت أسعار الغاز الأوروبية الأسبوع بارتفاع يقارب الثلثين. وجاءت هذه المكاسب نتيجة المخاوف من تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز، الذي يعد ممرًا رئيسيًا للطاقة العالمية، إضافة إلى خسائر في الإنتاج في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

وإذا استمرت هذه الأسعار المرتفعة، فمن المتوقع أن تزيد معدلات التضخم، وأن تضعف القدرة الشرائية للأسر، وأن يتضرر نمو الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات العالم. وقد تضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تشديد السياسة النقدية، بينما تواجه الحكومات ضغوطًا مالية إضافية إذا قررت التدخل في أسواق الطاقة لتخفيف الأثر على الناخبين.

قفزة تكاليف الطاقة

ويشير تحليل شمل 15 اقتصادًا أجراه معهد Oxford Economics إلى أن قفزة تكاليف الطاقة قد تترك الأثر الأكبر في إيطاليا، ووفقًا للتحليل قد يرتفع التضخم في إيطاليا خلال الربع الأخير من العام الحالي بأكثر من نقطة مئوية واحدة مقارنة بالتوقعات السابقة للمعهد، كما يتوقع أن ترتفع معدلات التضخم في منطقة اليورو والمملكة المتحدة بأكثر من نصف نقطة مئوية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.

في المقابل يتوقع أن يرتفع التضخم في الولايات المتحدة خلال الربع الرابع بنحو 0.2 نقطة مئوية فقط، بينما ستكون كندا الأقل تأثرًا وفق تحليل Oxford Economics.

وتعد الصين والهند وكوريا الجنوبية من كبار مستوردي النفط والغاز من الخليج، ما يجعلها عرضة لتأثيرات ارتفاع الأسعار، وتستورد الصين ما بين 70 و75% من استهلاكها من النفط الخام، وتمر حصة كبيرة من وارداتها من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، ومع ذلك يمكن للصين الاعتماد على مخزونات نفطية أكبر والضغط على المصافي لتعليق الصادرات لحماية الإمدادات، كما يمكنها التحول نحو واردات روسية.

وقال محللون في Capital Economics إن كبار مصدّري الطاقة مثل النرويج وكندا سيحققون آثارًا إيجابية واضحة نتيجة ارتفاع الأسعار.

مكاسب أمريكية

حوّلت ثورة النفط الصخري الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين إلى أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، ويعني ذلك أن المنتجين الأمريكيين قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، خاصة إذا استمر الصراع لفترة طويلة وبقيت الأسعار مرتفعة.

تعرضت الأسهم الأمريكية لضغوط أقل مقارنة ببعض الأسواق في أوروبا وآسيا منذ بداية الصراع، ويشير ذلك إلى أن بعض المستثمرين يراهنون على أن التأثير السلبي على الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا الشمالية سيكون أقل من الاقتصادات الكبرى الأخرى.

يحمي الإنتاج المرتفع للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة المستهلكين جزئيًا بسبب تجزؤ السوق العالمية لهذا الوقود، فبينما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا الأسبوع الماضي، شهدت الأسعار الأمريكية ارتفاعًا طفيفًا فقط.

وقال ديفيد أوكسلي من Capital Economics إن نقص القدرة الفائضة في تسييل الغاز الطبيعي المسال وتصديره يحد من قدرة المنتجين الأمريكيين على زيادة الصادرات، ووصف أوكسلي الولايات المتحدة بأنها جزيرة غاز، في إشارة إلى بقاء الأسعار المحلية تحت سيطرة نسبية مقارنة بالأسواق العالمية.

تحذيرات الأسواق

وحذّر بنك Goldman Sachs من أنه إذا استمرت الأزمة خلال شهر مارس فمن المرجح أن تتجاوز أسعار النفط الذروة المسجلة في عامي 2008 و2022، وكان خام برنت قد تجاوز 147 دولارًا للبرميل في تلك الفترات بينما تجاوزت أسعار البنزين خمسة دولارات للجالون.

تظهر العديد من الدراسات أن ارتفاع أسعار البنزين يؤثر بشدة على الفئات ذات الدخل المنخفض في الولايات المتحدة، ويرجع ذلك إلى أن هذه الفئات غالبًا ما تعمل في وظائف تتطلب تنقلًا أكبر، لذلك يمكن أن يتحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي داخلي في الولايات المتحدة.