الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

مطالب محركة.. إلى أين تنتهي التظاهرات في اليمن؟

  • مشاركة :
post-title
مظاهرات في جنوب اليمن ـ أرشيفية

القاهرة الإخبارية - محمد حافظ

يشهد جنوب اليمن مطلع عام 2026، مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في ظل سعي السلطة المعترف بها دوليًا إلى إعادة ترتيب المشهد المؤسسي والأمني في المحافظات الجنوبية. ويقود هذا المسار مجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة رشاد محمد العليمي، بدعم مباشر من تحالف دعم الشرعية في اليمن، في محاولة لتعزيز مركزية القرار، وتوحيد التشكيلات العسكرية، ودفع عجلة الإصلاح الإداري والخدمي بالمناطق المحررة. غير أن هذه التحركات تجري في بيئة سياسية معقدة، يتداخل فيها مشروع الدولة الاتحادية مع مطالب الانفصال التي يتبناها المجلس الانتقالي الجنوبي، ما يجعل أي خطوة إصلاحية عرضة للتجاذب السياسي.

في السياق ذاته، تصاعدت دعوات التظاهر في عدد من مدن الجنوب، وسط اتهامات رسمية بأن بعض هذه التحركات تحمل طابعًا سياسيًا منظمًا، وتسعى إلى الضغط على الحكومة في لحظة إعادة توزيع النفوذ. وفي المقابل، يستند المحتجون إلى أزمات معيشية حقيقية تتمثل في تدهور العملة، وارتفاع الأسعار، وأزمة الكهرباء والخدمات الأساسية. وبين هذين البعدين -السياسي والاقتصادي- يتشكل مشهد مُعقد يطرح سؤالًا محوريًا حول مدى تأثير هذه التظاهرات على مسار الإصلاح والاستقرار في الجنوب، وما إذا كانت تُمثل عائقًا أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تُعبر عن أزمة أداء تتطلب معالجة أعمق.

تأسيسًا على ما سبق، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: هل تؤثر التظاهرات المدفوعة على مسيرة الإصلاح في جنوب اليمن؟

موازين القوة

يشكل الصراع عل النفوذ المحلي العامل الأساسي، الذي يحدد ديناميكيات المشهد السياسي في المحافظات الجنوبية، فنجد:

(*) بنية السلطة الانتقالية وتعقيداتها: يقود الجنوب رسميًا مجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة رشاد محمد العليمي، كيان توافقي تشكل في أبريل 2022 بدعم من تحالف دعم الشرعية في اليمن. ويضم المجلس مكونات متعددة، من بينها ممثلون عن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يرفع شعار استعادة دولة الجنوب. هذه البنية التوافقية تجعل أي تحرك سياسي أو أمني في الجنوب مرتبطًا بحسابات توازن دقيقة بين الشركاء.

(*) مشروع الانفصال كورقة ضغط سياسية: لا يزال ملف القضية الجنوبية حاضرًا بقوة في المشهد، فالمجلس الانتقالي يحتفظ بقاعدة شعبية وتنظيمية في عدن وبعض المحافظات، ويدير قوات أمنية وعسكرية على الأرض. ومع أي محاولة لإعادة هيكلة القرار الأمني أو توحيد القوات تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، يظهر تخوف لدى أنصاره من تقليص نفوذه، ما يدفع نحو استخدام أدوات ضغط سياسية، من بينها الحشد الجماهيري.

(*) إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية: تسعى الرئاسة إلى دمج التشكيلات المتعددة ضمن بنية رسمية موحدة، بما يشمل قوات درع الوطن ووحدات أخرى نشأت خلال سنوات الحرب. غير أن عملية الدمج تواجه تحديات ميدانية تتعلق بالولاءات المحلية وبالترتيبات السابقة التي قامت على تعدد مراكز القوة. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول التظاهرات إلى وسيلة لإرسال رسائل سياسية مفادها أن إعادة الهيكلة لا يمكن أن تتم دون توافق شامل.

(*) البعد الإقليمي والدعم السعودي: تلعب السعودية دورًا محوريًا في دعم الاستقرار جنوبًا، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا، من خلال البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن الذي نفذ مشروعات في قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والبنية التحتية. ومع إعلان حزم دعم جديدة خلال 2025-2026، يصبح استقرار الجنوب شرطًا أساسيًا لاستمرار التدفقات التنموية. ومن هنا، فإن أي تصعيد ميداني يبعث برسائل مقلقة حول قدرة الحكومة على ضبط الأوضاع.

تحديات راهنة

تتمثل أهم التحديات الراهنة التي يعيشها المواطنون بالجنوب اليمني في:

(*) تدهور العملة وارتفاع الأسعار: شهد الريال اليمني خلال العامين الأخيرين تذبذبًا حادًا في قيمته، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية في المحافظات الجنوبية. ويعتمد الاقتصاد المحلي بدرجة كبيرة على الواردات، الأمر الذي يجعل أي تراجع في سعر الصرف ينعكس سريعًا على مستوى المعيشة، وهذا العامل يًمثل محركًا رئيسيًا للاحتجاجات.

(*) أزمة الكهرباء والخدمات الأساسية: تعاني عدن ومحافظات أخرى من انقطاعات متكررة للكهرباء، خاصة خلال فترات الصيف، نتيجة نقص الوقود وضعف البنية التحتية. ورغم محاولات الدعم عبر منح مشتقات نفطية ومشروعات تأهيل محطات، إلا أن الفجوة بين الطلب والإمداد لا تزال قائمة، ما يغذي الغضب الشعبي ويزيد من قابلية الشارع للاحتجاج.

(*) تحديات الإيرادات والموارد: تواجه الحكومة صعوبات في تحصيل الإيرادات، خاصة مع استمرار القيود على تصدير النفط نتيجة التهديدات الحوثية للموانئ، خلال السنوات الماضية. ويؤدي تراجع الموارد إلى محدودية القدرة على تمويل الخدمات أو دفع رواتب منتظمة، ما يضعف شرعية الأداء الحكومي.

(*) المخاطر الأمنية المرتبطة بالاحتقان: استمرار الاحتجاجات في بيئة تعاني أصلًا من تعدد التشكيلات المسلحة يرفع احتمالات الاحتكاك الأمني أو استغلال الفوضى من قبل جماعات متطرفة، لا سيّما في مناطق مثل أبين وشبوة. كما أن أي انقسام داخلي يضعف الجبهة المناهضة للحوثيين، ويؤثر على تماسك المعسكر الحكومي.

ختامًا، تعكس التظاهرات في جنوب اليمن تداخلًا بين بعدين رئيسيين: صراع سياسي حول مستقبل الجنوب وموقع القوى الفاعلة داخله، وأزمة معيشية حادة تضغط على الشارع. وإذا كان بعض الحراك يحمل أبعادًا سياسية واضحة، فإن جذوره الاقتصادية والخدمية لا يمكن تجاهلها. كما أن تأثير هذه التظاهرات على مسيرة الإصلاح مرهون بثلاثة عناصر أساسية: قدرة الحكومة على تحقيق تحسن ملموس في الخدمات والاقتصاد خلال فترة زمنية قصيرة، نجاحها في إدارة الخلافات مع القوى الجنوبية بالحوار والتفاهم، بما يمنع انزلاق الوضع إلى صدام داخلي، واستمرار الدعم الإقليمي خصوصًا السعودي وتحويله إلى نتائج عملية يشعر بها المواطن.

وحال تحقق هذا التوازن، تتراجع حدة الاحتجاجات تدريجيًا. أما إذا استمرت الأزمات دون معالجة فعاّلة، فإن التظاهرات سواء تم وصفها بأنها مدفوعة أم لا ستظل عاملًا ضاغطًا قد يعرقل مسار الإصلاح ويعيد طرح سؤال مستقبل الجنوب على طاولة الصراع السياسي من جديد.