أعلن مهرجان كان السينمائي عن اختيار المخرج والكاتب والمنتج الكوري بارك تشان ووك رئيسًا للجنة تحكيم الأفلام الروائية المتنافسة في نسخته الـ79 لعام 2026، في خطوة تعد سابقة في تاريخ السينما الكورية، وتعكس المكانة الرفيعة التي بات يحتلها صناع الأفلام الكوريون على الساحة الدولية.
ومن المقرر أن يترأس بارك تشان ووك مراسم منح جائزة السعفة الذهبية يوم السبت 23 مايو 2026 على مسرح جراند تياتر لوميير، حيث سيسلم الجائزة الكبرى خلفًا للنجمة الفرنسية جولييت بينوش التي منحت سعفة العام الماضي للمخرج الإيراني جعفر بناهي عن فيلمه "كان مجرد حادث".
مسيرة سينمائية حافلة بالتميز
أثبت بارك تشان ووك عبر اثني عشر فيلمًا روائيًا طويلًا مكانته كأحد أبرز رموز السينما المعاصرة، إذ تتميز أعماله بجرأة فنية لافتة، وبناء بصري متقن، وأسلوب يجمع بين الجمال الشكلي والعمق الأخلاقي، كما تتسم أفلامه بقدرتها على الغوص في عوالم مظلمة ومقلقة، حيث تتشابك عناصر الرعب والإثارة والإغراء ضمن بنى سردية محكمة، دون أن يتخلى عن رسالته الاجتماعية الرمزية أو انشغاله بأسئلة الإنسان المعاصر.
وأكدت رئيسة المهرجان إيريس نوبلوق ومديره تييري فريمو أن براعة بارك تشان ووك وإتقانه البصري وميله إلى استكشاف الدوافع المعقدة لشخصياته، منحا السينما المعاصرة لحظات لا تُنسى، معربين عن سعادتهم بالاحتفاء بموهبته الاستثنائية، وبالسينما الكورية التي أصبحت منخرطة بعمق في القضايا التي تشغل عالم اليوم.
رؤية إنسانية للسينما
عبر بارك تشان ووك عن رؤيته للسينما قائلاً: "إن إظلام المسرح يتيح رؤية نور السينما، وإن الانعزال الطوعي داخل قاعة العرض يمنح الروح حرية التحليق عبر نافذة الفيلم"، وأضاف أن الاجتماع لمشاهدة فيلم واحد في زمن تسوده الانقسامات يمثل تعبيرًا إنسانيًا عميقًا عن التضامن، حيث تتناغم الأنفاس وتتوحد دقات القلوب.
وبذلك، لا تمثل رئاسة بارك تشان ووك للجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل تجسيدًا لمسار فني وفكري رسخ حضور السينما الكورية في قلب المشهد السينمائي العالمي، وأكد أن لغة الصورة لا تزال قادرة على توحيد البشر في زمن التباعد.
علاقة وطيدة مع مهرجان كان
بدأت علاقة بارك تشان ووك بمهرجان كان عام 2004 عندما فاز فيلمهOldboy بالجائزة الكبرى، وهو العمل الذي رسخ حضوره الدولي وتوالت بعد ذلك مشاركاته الناجحة، حيث نال فيلم Thirst جائزة لجنة التحكيم عام 2009، وشارك بفيلمThe Handmaiden عام 2016، قبل أن يحصد جائزة أفضل مخرج عام 2022 عن فيلمDecision to Leave.
وتكشف هذه المسيرة عن علاقة متينة بين المخرج الكوري والمهرجان العريق، تجسدت في حضور متكرر ومثمر داخل المسابقة الرسمية.
التأثير الفني
كثيرًا ما يُقارن بارك تشان ووك بمخرجين بارزين مثل كوينتن تارانتينو وبراين دي بالما وديفيد فينشر، لما يتمتع به من قدرة فائقة على صياغة صور بصرية آسرة لا يقل جمالها عن دقتها الأخلاقية.
وفي المقابل، يستلهم بارك أعماله من رواد كبار أمثال أكيرا كوروساوا وإنجمار برجمان ولوكينو فيسكونتي، إضافة إلى تأثره العميق بالمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، الذي شكل فيلمه Vertigo نقطة تحول في طموح بارك ليصبح مخرجًا سينمائيًا.
ويتجلى أثر هيتشكوك في العديد من أعماله، من بينها فيلمStoker الذي استلهم بعض عناصره من Shadow of a Doubt، وصولًا إلىDecision to Leave حيث يبلغ الهوس ذروته في معالجة مشوقة ومشحونة بالتوتر.
كما يعد الانتقام أحد المحاور المركزية في سينما بارك تشان ووك، كما يظهر في ثلاثيته الشهيرة التي تضم Sympathy for Mr. Vengeance (2002)، وOldboy وLady Vengeance (2005)، وقد أسهمت هذه الثلاثية في تثبيت اسمه عالميًا، لما حملته من معالجة جريئة ومكثفة لموضوعات الألم والعدالة والانتقام.
نهضة السينما الكورية
يجسد مسار بارك تشان ووك جوهر السينما الكورية المعاصرة التي اتسمت بالتحرر والطموح والقدرة على مخاطبة الجمهور مع الحفاظ على عمق فكري، وقد سبق له أن حقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا مع فيلم Joint Security Area الذي حطم الأرقام القياسية في شباك التذاكر الكوري عام 2000.
وتأتي رئاسته للجنة التحكيم تتويجًا لمسار طويل من الحضور الكوري في مهرجان كان، بدأ مع فوز المخرج إم كوون تايك بجائزة أفضل مخرج عام 2002 عن فيلمه "ضربات من نار"، وتواصل مع مشاركات بارزة لمخرجين مثل هونج سانج سو وكيم كي دوك ولي تشانج دونج.
كما توج هذا الحضور بفوز بونج جون هو بالسعفة الذهبية عام 2019 عن فيلمهParasite، وهو إنجاز تاريخي للسينما الكورية.
وعلى صعيد التمثيل، حصدت جيون دو يون جائزة أفضل ممثلة عام 2007 عن ضوء الشمس الخفي، فيما نال سونج كانج هو جائزة أفضل ممثل عام 2022 عن فيلم الوسيط، وقد شارك الأخير في أربعة أفلام من إخراج بارك تشان ووك.