أظهر استطلاع جديد للرأي أن رد فعل حكومات دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتحفظ على الهجمات الهجينة يتعارض مع الرأي العام في دول الحلف، حيث ترى قطاعات واسعة من الجمهور أن أعمالًا مثل الهجمات الإلكترونية على المستشفيات يجب اعتبارها أعمال حرب.
وبحسب الاستطلاع الذي أجرته صحيفة "بوليتيكو" في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، اتفق غالبية المشاركين على أن الهجوم الإلكتروني الذي يُعطّل المستشفيات أو شبكات الكهرباء يُعدّ عملاً حربياً، وكان الكنديون الأكثر تأييدًا لهذا الرأي بنسبة 73%.
كما أيد المشاركون من الدول الخمس فكرة أن تخريب الكابلات البحرية أو خطوط أنابيب الطاقة، الذي تكرر في السنوات الأخيرة، يجب اعتباره عملاً حربياً.
وكثّف قراصنة الإنترنت، الذين غالبًا ما يُزعم ارتباطهم بروسيا، استهدافهم للقطاعات الحيوية لدول حلف الأطلسي في السنوات الأخيرة، لكن الحلفاء يواجهون صعوبة في التصدي بفعالية لهذه الهجمات.
ورغم أن هذه الأفعال لم تُصنّف رسميًا كأعمال حرب، إلا أن الحكومات العالمية باتت تتعامل مع الهجمات على الأنظمة الحيوية بجدية كبيرة.
وفي عام 2024، أعلن الناتو أن أي هجوم إلكتروني أجنبي قد يُفعّل المادة الخامسة، بند الدفاع المشترك، ما يستدعي اتخاذ إجراءات متعددة الأطراف ردًا على عمليات الاختراق.
لكن مسؤولًا في الناتو صرّح في عام 2022 بأنه من غير الواضح مدى خطورة الهجوم الإلكتروني الذي يستدعي ردًا، والذي قد يشمل "عقوبات دبلوماسية واقتصادية، أو تدابير إلكترونية، أو حتى استخدام القوات التقليدية، بحسب طبيعة الهجوم".
القدرات السيبرانية
في الفترة الماضية، اتهمت أجهزة الأمن في أوروبا الكرملين بشكل أكثر حزمًا بتدبير هجمات إلكترونية في الغرب، كان آخرها استهداف البنية التحتية للطاقة في بولندا.
لكن وفق الاستطلاع، تتباين الآراء حول روسيا كتهديد عالمي بشكل كبير بين أوروبا وأمريكا الشمالية. فقد اعتبرت أغلبية المستطلعة آراؤهم في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة أن روسيا تمثل أكبر تهديد للسلام، بينما كانت نسبة الموافقة أقل في الولايات المتحدة 39% وكندا 29%.
واعتبر الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع في هذه البلدان الخمسة، بشكل ساحق، الهجمات الإلكترونية الكبرى التي يشنها الخصوم ضد البنية التحتية العامة بمثابة أعمال حرب، إلا أنهم شعروا بقوة أقل تجاه أعمال التخريب الرقمي الأصغر حجمًا.
واعتبر أقل من نصف المشاركين اختراق وتسريب المحادثات الخاصة للقادة السياسيين عملًا حربيًا. واعتبر عددًا أقل نشر المعلومات المضللة للتأثير على الانتخابات عملًا حربيًا.
ومع ذلك، ثمة إدراك واضح بأن الحكومات بحاجة إلى دمج القدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها الدفاعية.
وقد أكدت أغلبية المشاركين في الاستطلاع، من مختلف البلدان الخمسة، على أهمية كل من القدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والقوة العسكرية التقليدية على حد سواء.
ووافق ما لا يقل عن ثلث المشاركين في كل دولة على أن الأمن السيبراني والدفاع ضد الهجمات السيبرانية يجب أن يكونا من بين أعلى أولويات بلدانهم في الإنفاق الدفاعي.
دفاع نشط
في مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي، قال داج باهر، نائب رئيس جهاز الاستخبارات الفيدرالية الألمانية (BND)، إنه لا يمكن استيعاب جميع التهديدات "بمجرد التحلي بالمرونة". وأضاف: "أنتم بحاجة إلى أن تكونوا نشطين في الدفاع".
وتستعد الحكومة في ألمانيا لإجراء إصلاح شامل لصلاحياتها في مجال الاستخبارات والأمن السيبراني للرد على المتسللين والجواسيس الأجانب.
أيضا، يضغط المسؤولون الأمريكيون من أجل ردود عسكرية أكثر هجومية على الهجمات الإلكترونية، لا سيما في أعقاب عملية الاختراق الضخمة التي نفذتها مجموعة القرصنة "سولت تايفون" المرتبطة بالصين في عام 2024 لشبكات الاتصالات العالمية.
ومن المقرر أن يُصدر البيت الأبيض استراتيجية وطنية جديدة للأمن السيبراني خلال الأسابيع القادمة، تشجع الولايات المتحدة على أن تكون أقل "رد فعل" في الفضاء السيبراني .
وصرح مدير الأمن السيبراني الوطني الأمريكي، شون كيرنكروس، في مؤتمر ميونيخ، بأن "التغيير في طريقة التفكير" ضروري لجعل نجاح المهاجمين أكثر صعوبة.
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة تصريحات إدارة ترامب بشأن استخدام قدراتها السيبرانية لشنّ هجمات، كاشفةً أن القوات السيبرانية الأمريكية ساهمت في قطع التيار الكهربائي عن كاراكاس خلال غارات يناير التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
كما شاركت القيادة السيبرانية الأمريكية ووكالة الأمن القومي في الضربات الصاروخية الأمريكية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، وساعدت في تعطيل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.