الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

رسائل الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن

  • مشاركة :
post-title
الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

ترأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 19 فبراير 2026، الاجتماع الأول لمجلس السلام الخاص مبدئيًا بوضع قطاع غزة، بمشاركة وفود من 27 دولة، وتمثيل على مستوى رؤساء دول أبرزهم: الأرجنتيني خافيير ميلي، والإندونيسي برابوو سوبيانتو، والأوزبكي شوكت ميرزيوييف.

كما شارك رؤساء وزراء دول أبرزهم: الدكتور مصطفى مدبولي رئيس وزراء مصر، وشهباز شريف رئيس وزراء باكستان، وفيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، وعدد من وزراء الخارجية منهم: الدكتور بدر عبدالعاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج، وهاكان فيدان وزير الخارجية التركي، وجدعون ساعر وزير الخارجية الإسرائيلي، بالإضافة إلى مشاركة 4 دول أوروبية هي: إيطاليا ورومانيا واليونان وقبرص، ودول أخرى آسيوية هي: كوريا الجنوبية واليابان بصفة مراقبين، إضافة إلى حضور ممثلين من الاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية.

وتعكس استضافة الرئيس الأمريكي للاجتماع الأول لمجلس السلام بواشنطن، وفي معهد ترامب للسلام العديد من الرسائل للداخل وللإقليم، وللقوى الكبرى الرامية للمنافسة على قمة النظام الدولي، والتي تتحفظ على توسيع صلاحيات المجلس عالميًا؛ لما يمثله من تداعيات على منظومة الأمم المتحدة القائمة، فضلًا عن غموض اختصاصات المجلس. 

والمجلس تشكَّل في سبتمبر 2025، وهدف ترامب من تشكيله لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة على خلفية مبادرته التي تكونت من 20 نقطة لإحلال السلام في غزة، ثم تطورت المسألة ليشمل دور المجلس ليس فقط تسوية النزاع في غزة، وإنما أيضًا ليمتد عمله لتسوية النزاعات في مناطق العالم المختلفة، وإحلال السلام والاستقرار، وهو ما جاء في الميثاق التأسيسي الذي أعلنه الرئيس ترامب على هامش فعاليات منتدى دافوس بسويسرا فى 22 يناير 2026، والذي تضمن الهدف الرئيسي من تشكيل المجلس، وهو ضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهدَّدة بالنزاعات ومنها غزة.

رسائل متنوعة

يأتي انعقاد الاجتماع الأول لمجلس السلام فى واشنطن، وبمعهد ترامب للسلام ليبعث بالعديد من الرسائل داخليًا وإقليميًا ودوليًا، وهو ما يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) التأثير في اتجاهات الرأي العام الأمريكي: تشكل الرسالة الأهم من الاجتماع الأول لمجلس السلام للداخل الأمريكي بالأساس، لاسيما مكونات الكتلة الصلبة الانتخابية الداعمة لترامب، والتي تدعم سياساته ورؤيته الداخلية أو الخارجية، بصرف النظر عمّا يُوجَّه إليها من انتقادات، وفي ظل رغبة ترامب في تعزيز موقف الحزب الجمهوري فى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2026، والتي ستحدد مصير الجمهوريين في الحكم بعد أن تزايدت الانتقادات لسياساتهم داخليًا وخارجيًا. 

وهذه الرسالة تحديدًا ترتبط بأن ما يقوم به ترامب يصب نحو تعزيز المصالح الأمريكية، وهو الطرح الذي يجد صداه، فما يشير إليه بعض الخبراء بأن ما يقوم به ترامب -وإن بدا في ظاهرة يفتقد للتماسك أو السعي نحو اللقطة أو أنه بمثابة صفقات عابرة- يعكس ترجمته لإستراتيجيات ورؤى أمريكية واقعية تستهدف في المقام الأول إعادة هندسة الدولة والمجتمع على مستوى الداخل الأمريكي، من خلال فرز وتولية كفاءات في الولايات والمؤسسات الفيدرالية الأمريكية تدين بالولاء لسياسات ترامب أولا على خلفية شعاره "أمريكا أولًا"، فضلًا عن إعادة تعريف الدور الأمريكي على مستوى الخارج، وهو ما تجلى في تغيير مسمى وزارة الدفاع الأمريكية إلى الحرب، وما يحمله ذلك من دلالات على مستوى الخارج، وكيفية مواجهة التحديات، كما تجلى إعادة تعريف ذلك الدور فيما تضمنته إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2026 سواء ما يتعلق بأمريكا اللاتينية، واعتبارها الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية، وتراجع أولوية أوروبا والشرق الأوسط فى سلم أولويات تلك الإستراتيجية. 

بهذا الدور، يسعى ترامب وبموافقة المؤسسات الأمريكية العميقة والنافذة إلى إعادة هيكلة السياسة الخارجية لتصب -في نهاية المطاف- في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على تفاعلات النظام الدولي، وعدم السماح لأي قوة دولية تسعى للتحول نحو نظام متعدد الأقطاب إلى الوصول لقمة النظام الدولي أو التحكم في تفاعلاته.

في هذا السياق، يشكِّل انعقاد مجلس السلام في واشنطن، وقبل أن يمر شهر على الإعلان التأسيسي للمجلس فى دافوس بسويسرا فى 22 يناير 2026، ليؤكد للداخل الأمريكي بأن ترامب يمتلك من القدرات الشخصية ما يمكنه من تسوية الصراعات المعقدة، وفي مقدمتها النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد أن أسهمت الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023 فى بلورة رأي عام أمريكي وغربي لا سيما في الجامعات الأمريكية والأوروبية بين الشباب يتبنى الرواية الفلسطينية والحق في إقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة، ورفض التهجير، بل ويتشكك ذلك التيار، ويرفض السردية الإسرائيلية القائمة على تزييف الوعي الجمعي من خلال وسائل إعلام غربية نافذة، وهو ما جعل هذا التيار يطالب بضرورة وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وإدانة الانتهاكات الإسرائيلية التى حوَّلت قطاع غزة إلى ركام غير صالح للحياة.

(*) صانع للسلام الإقليمي والعالمي: تأتي رسالة ترامب لمنطقة الشرق الأوسط باستضافته للاجتماع الأول لمجلس السلام، وتعهُّد الدول أعضاء المجلس بتوفير أكثر من 5 مليارات دولار لدعم الاستقرار فى غزة، بما يعني وفق تصوره أنه القائد الأمريكي القادر على صنع السلام الإقليمي، وهو الأمر الذى يجسده ترامب دائمًا فى ترديد مقولته بأنه نجح فى تسوية ثمانية صراعات دولية، من بينها نزاعات في أقاليم العالم المختلفة تتسم بالتعقيد، في حين فشلت الأمم المتحدة في تسويتها، وهو ما جعله يتطلع بإلحاح منقطع النظير إلى نيل جائزة نوبل للسلام، قبل أن تحصل عليها زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو في أكتوبر 2025، وفي مفارقة لا تخلو من العبثية أهدته ماتشادو جائزتها بعد قيام قوات أمريكية بتنفيذ عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 27 يناير 2026، ومحاكمته في واشنطن.

(*) دعم ركائز الأحادية القطبية: يشكل انعقاد الاجتماع الأول لمجلس السلام برئاسة ترامب، وهو المجلس الذي حظي بمشاركة ما يقرب من 20 دولة خلال الاجتماع التأسيسي بدافوس 2026، انعكاسًا لرغبة ترامب في تعزيز الصورة الإيجابية على قدرة الولايات المتحدة في التحكم في مسار وشكل النظام الدولي الحالي، والذي يتجه نحو التلاشي لصالح نظام دولي جديد لا يزال قيد التشكيل، لذلك يسعى ترامب -ومن خلال تفعيل دور المؤسسات الأمريكية العميقة والنافذة- لإحكام السيطرة على إرهاصات النظام الدولي الحالي الذي لا يزال في طور التشكيل، ليتماشى مع دعم وإرساء استمرار الأحادية القطبية الأمريكية، وإن ظلت من الناحية السياسية والعسكرية، مع الاعتراف بتعددية اقتصاية وتنموية في نماذج صاعدة بقوة على مسرح السياسة الدولية، وفى مقدمتها الصين وروسيا والهند وربما ألمانيا، إذ اتجهت الأخيرة نحو سباق تسلح عسكري ونووي لحماية أمن القارة الأوروبية من التهديدات الروسية في أوكرانيا، في ظل التباعد الحاصل في العلاقات الأوروبية الأمريكية، والرغبة الألمانية في دعم الاستقلالية الأوروبية، برغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو خلال فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي استضافته برلين في الفترة من 13-15 فبراير 2026، والتي تضمنت أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لديهم مصير مشترك، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي ابنة لأوروبا، وربما خففت تلك التصريحات من حديث نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أمام نفس المؤتمر في فبراير 2025 عندما اتهم أوروبا بأنها السبب المباشر لعدم الاستقرار بسبب سياسات الهجرة غير المنضبطة، فضلًا عن انتقاده للديمقراطية الأوروبية، وهو ما أثار حينذاك سلسلة من الانتقادات الأوروبية لتلك التصريحات، والتي عكست عمق الأزمة في العلاقات الأوروبية الأمريكية منذ وصول ترامب.

(*) أفول دور الأمم المتحدة: شكلت الانسحابات المتتالية للرئيس ترامب من المنظمات الدولية خاصة الوكالات التابعة للأمم المتحدة ملمحًا بارزًا لتوجهاته منذ الولاية الأولى (2017-2021) لوصوله للحكم وكذلك منذ بدء ولايته الثانية في يناير 2025، إذ أعلن الانسحاب من 66 منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، ليضاف إلى مسيرة الانسحابات منذ ولايته الأولى بعدما قرر الانسحاب من اتفاقية باريس للتغيرات المناخية، والتي وصفها بالخادعة وغير العادلة للاقتصاد الأمريكي، وحتى بدء ولايته الثانية فلم يكد يمر عام حتى قرر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان الدولي، ووقف المنح والمساعدات الأمريكية فى المجالات التعليمية، ليكلل كل ذلك قبل يوم واحد من كلمته أمام دافوس 2026 بإعلانه خلال مؤتمر صحفي من البيت الأبيض في 20 يناير 2026 "بأن الأمم المتحدة لم تكن مفيدة على الإطلاق، ولم يخطر بباله حتى الذهاب إليها، ومشددًا على الحاجة إلى منظمة سلام أكثر مرونة وفاعلية"، لذلك أشار الميثاق التأسيسي لمجلس السلام إلى دور أكثر يتجاوز تسوية الصراع في غزة ليتضمن مهام أخرى لتسوية النزاعات القائمة حول العالم من دون الإخلال بالسيادة الوطنية للدول. وهو ما عبَّر عنه ترامب بالقول إن "الشهر الماضي فقط، انضم إليّ نحو 20 عضوًا مؤسسًا بارزًا في دافوس بسويسرا للاحتفال بإعلان التأسيس الرسمي لمجلس السلام، وعرض رؤية طموحة لمستقبل المدنيين في غزة، ثم في نهاية المطاف لما هو أبعد من غزة: السلام العالمي".

هذا التوجه يعكس طموح واشنطن المتنامي والرغبة في إعادة صياغة دورها القيادي في النظام الدولي، ربما كبديل عن المؤسسات الدولية القائمة مثل الأمم المتحدة، ويتأكد ذلك في ضوء ما صرح به ترامب نفسه بشأن إمكانية أن يحل "مجلس السلام" محل الأمم المتحدة في المستقبل، رغم أنه عاد وأكد في تصريحات صحفية له في 16 فبراير 2026 بأن عمل المجلس سيتجاوز غزة إلى إحلال السلام في جميع أنحاء العالم، مشددًا على أنه سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

(*) إعادة إعمار المجتمعات ما بعد النزاعات: تتضمن إعادة إعمار غزة أحد أهداف مجلس السلام، لذلك جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب في 15 فبراير 2026 على منصة تروث سوشال بأنه سيتم الإعلان خلال اجتماع مجلس السلام بالعاصمة واشنطن في 19 فبراير 2026 عن تعهد الدول الأعضاء بأكثر من 5 مليارات دولار لدعم الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة الدولية والشرطة المحلية للحفاظ على الأمن والسلام لسكان غزة، مضيفًا أن الدول الأعضاء خصصت أيضًا آلافًا من الأفراد لقوة الاستقرار الدولية لدعم الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة.

يذكر أن تلك القوة فوضتها الأمم المتحدة وفق القرار الدولي رقم 2803، والصادر فى نوفمبر 2025 بتأييد 13 عضوًا من مجلس الأمن الدولي وامتناع روسيا والصين، والذي يأذن بإنشاء قوة دولية مؤقته لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، وهو القرار الذي رحب أيضًا بخطة الرئيس الأمريكي ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء النزاع في غزة والصادرة في 29 سبتمبر 2025.

مجمل القول، يعكس انعقاد الاجتماع الأول لمجلس السلام التابع للرئيس الأمريكي في واشنطن وفي معهد ترامب للسلام في 19 فبراير 2026، وقبل أن يمر شهر على إعلان الميثاق التأسيسي له بدافوس بسويسرا في 22 يناير 2026 باعتباره منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات ومنها غزة، سعي ترامب الرامي إلى تجاوز دور الأمم المتحدة والأطر المؤسسية التقليدية التي شكلت قواعد راسخة للنظام الدولي الحالي، والذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، وساهمت الولايات المتحدة في وضع ركائزه، وكانت أحد المنتفعين من تفاعلاته، وكذلك الدول الغربية وفق تصريح رئيس الوزراء الكندي أمام اجتماع دافوس 2026، والذي أشار إلى بداية أفول ذلك النظام الدولي، والرغبة في المشاركة لوضع ركائز نظام دولي جديد أكثر عدلًا وتمثيلًا لدول الجنوب العالمي.