الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الحلقة الثانية| عبدالباسط عبدالصمد.. صوت ساعد في انتشار الراديو بالريف المصري

  • مشاركة :
post-title
الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

في عام 1951، ذاع وانتشر في قرى مصر وحواري القاهرة والمدن الكبرى صوت الإذاعة، خاصة كل يوم سبت عند الساعة الثامنة ولمدة 30 دقيقة، حيث كان المستمعون على موعد مع صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الذي تم اعتماده في نفس العام كأحد قراء الإذاعة الجدد، بعد تسجيلات سابقة له في مسجد السيدة زينب وسط القاهرة، الذي بدأ التلاوة فيه بعدما جاء للعاصمة من قريته في صعيد مصر قبل ذلك بسنوات قليلة.

وقالت بعض المصادر المهتمة بتأريخ صوت الشيخ عبد الباسط: "لقد زاد إقبال المستمعين على شراء جهاز الراديو، وكان بتكلفة مادية مرتفعة وقتها بسبب الحالة الاقتصادية، لكنهم، حبًا في صوت الشيخ، كانوا يدبرون أمورهم ويشترون الراديو ليتمكنوا من الاستماع إليه".

ومن لم يمتلك الراديو كان ينتظر بجوار بعض البيوت التي تضع الجهاز بالقرب من النوافذ المطلة على الشارع، حيث يجلسون تحتها للاستماع إلى صوت الشيخ، وكان ذلك يحدث كثيرًا في الريف أكثر من المدن، وهم يرددون بصوت مسموع: "الله يفتح عليك يا شيخ".

وعن بداياته، قال الشيخ عبد الباسط في حديث لمجلة الإذاعة عام 1965: "كانت سني عشر سنوات أتممت خلالها حفظ القرآن، الذي كان يتدفق على لساني كالنهر الجاري، وكان والدي موظفًا بوزارة المواصلات، وكان جدي من العلماء، فطلبت منهما أن أتعلم القراءات، فأشارا عليّ بالذهاب إلى مدينة طنطا بالوجه البحري لتلقي علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ محمد سليم. المسافة بين أرمنت في جنوب مصر وطنطا في الوجه البحري كانت بعيدة جدًا، لكن الأمر كان متعلقًا بصياغة مستقبلي، فاستعددت للسفر. وقبل التوجه إلى طنطا بيوم واحد، علمنا بوصول الشيخ محمد سليم إلى أرمنت ليستقر بها مدرسًا للقراءات بالمعهد الديني، واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به؛ لأنهم يعلمون قدراته وإمكاناته لأنه من أهل العلم والقرآن، وكأن القدر ساق إلينا هذا الرجل في الوقت المناسب".

ذاع اسم وصوت الشيخ عبد الباسط حتى غطى بقاع الأرض، وانهالت الدعوات إليه من مختلف أنحاء العالم، خاصة مع بداية شهر رمضان الكريم كل عام، وكانت بعض الدعوات تُوجَّه له باعتباره مناسبة بحد ذاتها، إذ كان يصنع جوًا من الروحانيات والسعادة والبهجة متى حل في أي مكان. ويُظهر ذلك أسلوب الاستقبال الذي كان يشبه استقبال الزعماء والمشاهير، إذ استقبله الرئيس الباكستاني بنفسه عند المطار، وصافحه على باب الطائرة، ويوم أن قرأ القرآن في أكبر مساجد إندونيسيا امتلأت جنبات المسجد بالحضور، واحتشد المستمعون خارج المسجد لمسافة تصل إلى كيلومتر تقريبًا.

كُرّم الشيخ الراحل في مصر والوطن العربي وبعض دول العالم، فقد كرّمته سوريا بوسام الاستحقاق، ولبنان بوسام الأرز، وماليزيا بالوسام الذهبي، ومن إفريقيا والدول العربية تلقى التكريم من السنغال والعراق والمغرب، ومصر تحديدًا في عيد الإذاعة ويوم الدعاة. ويُعد الشيخ عبد الباسط القارئ الوحيد الذي نال تكريمًا لم يسبقه إليه أحد في دولة التلاوة، وحقق المجد والشهرة، ليتربع على عرش تلاوة القرآن الكريم في مصر والوطن العربي لما يقرب من نصف قرن.

بعد سنوات من التلاوة والسفر والترحال في سبيل كتاب الله، آن للجسد أن يرتاح، خاصة بعد تفاقم مضاعفات مرض السكري، الذي حاول مقاومته بالحرص الشديد في تناول المشروبات والطعام، لكن ذلك الحرص تراجع أمام مضاعفات الالتهاب الكبدي، فلم يستطع مقاومة المرضين معًا.

وفي يوم الأربعاء 30 نوفمبر 1988، فاضت روحه إلى خالقها، وخرجت جنازته في موكب شعبي ورسمي حضره الآلاف من الجماهير التي لطالما استمعت إلى صوته المتدفق، وضمّت الجنازة سفراءً عن دول العالم نيابة عن شعوبهم وملوكهم ورؤساء دولهم، حبًا وتقديرًا له.

ورغم مرور أكثر من 40 سنة على رحيله، يظل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أحد أهم أعلام دولة التلاوة في مصر والدول العربية والعالم الإسلامي، وما زال هناك من يجلس بجوار الراديو ليستمع إلى صوته وهو يقول: "الله يفتح عليك يا شيخ"!