وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مومباي، حاملًا معه ملف أسلحة متميز قد يُعيد تشكيل موازين القوى في جنوب آسيا، إذ تتقدم مفاوضات بين باريس ونيودلهي نحو إتمام أضخم صفقة تسليح في تاريخ الهند، وفق ما كشفته صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية.
35 مليار دولار و114 طائرة
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن المفاوضات تدور حول شراء الهند 114 طائرة مقاتلة من طراز "رافال" بقيمة إجمالية تبلغ نحو 35 مليار دولار، في صفقة تُعد الأكبر في تاريخ نيودلهي الدفاعي، والأضخم على الإطلاق في سجل صادرات شركة داسو أفياسيون الفرنسية، التي ستُسلم بموجبها طائرات تكاد توازي في عددها المقاتلات العاملة في صفوف الجيش الفرنسي نفسه.
وأقرت وزارة الدفاع الهندية الصفقة، الأسبوع الماضي، غير أن مجلس الوزراء الذي انعقد الجمعة الماضي، لم يُصدر أي بيان بشأنها، فيما أشارت مصادر هندية رسمية لـ"فايننشيال تايمز"، إلى أن الإعلان قد يتأخر بسبب التباين في التفاصيل السعرية، بينما أكد مسؤولو الإليزيه أن المحادثات لم تنتهِ بعد.
أسطول متهالك
لا تأتي هذه الصفقة من فراغ، فالقوات الجوية الهندية تعاني فجوة واسعة في قدراتها القتالية، إذ لا تمتلك سوى أقل من 30 سربًا مقاتلًا، بعيدًا عن هدفها الإستراتيجي المحدد بـ42 سربًا.
وجاء الجرح الأعمق عندما أعلنت باكستان نجاحها في إسقاط خمس مقاتلات هندية، خلال مواجهات عسكرية امتدت خمسة أيام العام الماضي، من بينها واحدة رافال على الأقل، ما أضفى إلحاحًا غير مسبوق على مساعي التحديث.
وفي السياق ذاته، أوضح خبير الأمن ديناكار بيري، لصحيفة فايننشيال تايمز، أن طائرات الرافال "ستُشكل نواة القدرة القتالية الهندية في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن، ريثما تتوفر طائرات الجيل الخامس بأعداد كافية".
يذكر أن الهند سبق أن اقتنت 36 طائرة رافال لقواتها الجوية عام 2016، وأخرى لبحريتها عام 2024، ما يجعل هذه الصفقة امتدادًا طبيعيًا لعلاقة دفاعية راسخة مع باريس.
"صنع في الهند"
لا تقتصر الصفقة على استيراد الطائرات، بل تتضمن تحولًا صناعيًا نوعيًا يلبي طموحات نيودلهي في بناء قدراتها الدفاعية الذاتية، إذ ستعمد داسو إلى تجميع جزء كبير من الطائرات ومكوناتها على الأراضي الهندية، في خروج عن نموذجها الإنتاجي القائم على "الصنع في فرنسا" حصرًا.
وأبدت شركة "سافران" لصناعة المحركات استعدادها لتصنيع محركات الرافال في الهند لأول مرة.
وبحسب ديناكار بيري، فإن الصفقة ستعزز "مكانة فرنسا بوصفها الركيزة الأساسية للمنظومة الجوفضائية الهندية، من مقاتلات وطائرات نقل ومروحيات ومحركات".
وتأتي هذه الخطوة في سياق مسيرة طويلة بدأت منذ اختيار الهند الرافال عام 2012 بديلًا عن طائرة يوروفايتر تايفون، قبل أن تعترض الصفقة عقبات سياسية وبيروقراطية ظلت تُعيق إتمامها قرابة 15 عامًا.
عالم متغير
وأوضحت الصحيفة البريطانية، أن هذه الزيارة التي تعد الرابعة لماكرون إلى الهند منذ توليه الرئاسة، تتجاوز دلالتها العسكرية لتعكس تحولات إستراتيجية عميقة في النظام الدولي، فمع تشكيك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في متانة التحالفات الغربية، وجدت باريس ونيودلهي نفسيهما تجمعهما قناعة مشتركة بضرورة "الاستقلالية الإستراتيجية"، ما أكده مسؤولو الإليزيه.
وأفصح مسؤول هندي رفيع لـ"فايننشيال تايمز" عن هذا التوجه بقوله: "في عالم اليوم، علينا تنويع شركائنا الإستراتيجيين".
وتجلى هذا التوجه كذلك في الوفد الاقتصادي الضخم المرافق لماكرون، الذي ضم عشرات المسؤولين التنفيذيين، من بينهم آرثر مينش المؤسس المشارك لشركة الذكاء الاصطناعي ميسترال، ورئيس مجموعة EDF للطاقة النووية، في ظل تبادل تجاري ثنائي يبلغ نحو 15 مليار يورو سنويًا.