الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

مديرة "برلين السينمائي": اختيار فيلم الافتتاح يعكس التزامنا بسينما مختلفة ومؤثرة

  • مشاركة :
post-title
فيلم الافتتاح لا رجال صالحون

القاهرة الإخبارية - إنجي سمير

يفتتح مهرجان برلين السينمائي الدولي، الخميس المقبل، دورته الجديدة بعرض فيلم No Good Men أو "لا رجال صالحون" للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، التي تؤدي أيضًا دور البطولة في العمل، مجسدة شخصية مصورة سينمائية تواجه التمييز القائم على النوع الاجتماعي في كابول، خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في أغسطس 2021.

وكانت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، قد تعرفت على أعمال سادات لأول مرة خلال فترة عملها التي امتدت لعشر سنوات في مهرجان لندن السينمائي، حيث عرض فيلما سادات الأولان "الذئب والخروف" و"دار الأيتام"، وتوضح تاتل أن اختيار فيلم الافتتاح هذا العام جاء بدافع الرغبة في تقديم تجربة مختلفة للجمهور، قائلة: "نحن نحب أن نفاجئ جمهورنا في ليلة الافتتاح، من الجيد دائمًا أن نقدم شيئًا جديدًا في كل دورة، حيث أعجبتني أفلام شهربانو الأولى كثيرًا، وقد عرضتها في لندن عندما كنت نائبة ثم مديرة، وفيلمها الجديد مختلف تمامًا، هو فيلم سياسي، لكنه في الوقت ذاته إنساني ومؤثر للغاية، وأعتقد أن الجمهور سيتفاعل معه بقوة".

وتجدر الإشارة إلى أن سادات وعائلتها كانوا من بين نحو 120 ألف شخص اعتُبروا معرضين للخطر في ظل عودة حركة طالبان إلى الحكم، وتم إجلاؤهم جوًا من مطار حامد كرزاي الدولي في كابول وسط مشاهد فوضوية في أغسطس 2021، وتعيش المخرجة اليوم في ألمانيا.

وعن احتمال ارتباط اختيار الفيلم بتصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين في ألمانيا وأوروبا، أوضحت تاتل أن الأمر ليس ردًا مباشرًا على ذلك السياق السياسي، لكنها أشارت إلى أن الفيلم يحمل بعدًا إنسانيًا بالغ الأهمية، قائلة: "هو مرتبط بذلك نوعًا ما، لكن ليس بشكل مباشر، نحن معجبون جدًا بهذا الفيلم لأنه يظهر جانبًا إنسانيًا جميلًا لتجربة شخص يعيش في المنفى قسرًا وليس بإرادته، الفيلم أعاد تذكيري بمسؤوليتي تجاه الآخرين وضرورة مد يد العون لهم".

وأضافت أن الفيلم أُنتج بالتعاون مع مجتمع اللاجئين، وهو ما يمثل عنصرًا محوريًا في قيمته الفنية والإنسانية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها لا ترغب في أن يُنظر إلى العمل كرسالة وعظية أو علاجية للجمهور، موضحة: "لا أريده أن يُستقبل كفيلم يلقن الجمهور درسًا أخلاقيًا، حيث أتوقع أن يتأثر الناس به، وأن يضحكوا أيضًا، كما أننا نستفيد من منصتنا لدعم مخرجة مميزة قد يواجه فيلمها صعوبات في السوق، ومن واجبنا تسليط الضوء على مثل هذه الأصوات".

ويعكس هذا التوجه رؤية أوسع تنتهجها إدارة المهرجان هذا العام، حيث تؤكد تاتل أن دعم السينما على جميع المستويات يعد ركيزة أساسية في عملية اختيار الأفلام، إلى جانب تعزيز التنوع وضمان انسجام البرنامج مع متطلبات سوق الفيلم الأوروبي EFM.

وتوضح مديرة المهرجان أن ما يميز مهرجان برلين السينمائي هو قدرته التاريخية على تحقيق توازن بين مختلف أشكال التعبير السينمائي، مشيرة إلى أن هذا التوازن يبدو جليًا في المسابقة الرسمية لهذا العام. وتضم قائمة الأفلام المشاركة أعمالًا تنتمي إلى أنماط سينمائية متعددة، من بينها فيلم الرسوم المتحركة "فجر جديد" للمخرج الياباني يوشيتوشي شينوميا، وفيلم "ولفرام" للمخرج الأسترالي وارويك ثورنتون، إلى جانب أفلام إثارة مثل "غبار" للمخرجة أنكه بلوندي و"جوزفين" للمخرجة بيث دي أراوجو، إضافة إلى فيلم الرعب "مولود الليل" للمخرجة الفنلندية هانا بيرجولم.

وتؤكد تاتل أن كل فيلم من الأفلام الـ22 المشاركة في المسابقة يمثل رؤية فنية مستقلة تستحق التقييم المتأني، قائلة: "كل مخرج يعمل بأقصى طاقاته، ولكل منهم صوته وأسلوبه الخاص".

وتأمل إدارة المهرجان أن تحظى هذه الاختيارات بتفاعل إيجابي من جمهور المهرجان، وكذلك من العاملين في سوق الفيلم الأوروبي من مشترين وبائعين. وتوضح تاتل أن أحد التحديات في السنوات الأخيرة كان وجود نوع من الانفصال بين الجانب الجماهيري للمهرجان والسوق، رغم النجاح الكبير في الحضور، حيث بيع رقم قياسي بلغ 336 ألف تذكرة في عام 2025.

وتضيف: "هذا العام لدينا عدد كبير من الأفلام الجذابة المعروضة للبيع، سمعت من المشترين في العام الماضي أنهم أعجبوا بجودة البرنامج، لكنهم واجهوا صعوبة في التعامل معه، آمل أن يجدوا هذا العام أفلامًا تسهّل عليهم الوصول إلى الجمهور".

وفي هذا السياق، أشارت إلى فيلم الإثارة البلجيكي Dust كأحد العناوين ذات الإمكانات التجارية الواسعة، بينما بدأ فيلم Josephine بالفعل في تحقيق زخم ملحوظ في المبيعات عقب فوزه بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم وجائزة الجمهور في مهرجان صندانس.

ولا يقتصر اهتمام تاتل على المبيعات فحسب، بل يمتد إلى التحديات التي تواجه قطاع التوزيع والعرض السينمائي المستقل، حيث عبرت عن أملها في إيجاد حلول عملية لدعم دور السينما المستقلة، وتشجيعها على عرض الأفلام الأوروبية لفترات أطول.

وتضم المسابقة الرسمية أيضًا أعمالًا لمخرجين اعتادوا عرض أفلامهم في مهرجاني كان وفينسيا خلال السنوات الأخيرة، من بينهم كريم عينوز بفيلم "تقليم شجيرة الورد"، وكورنيل موندروتشو بفيلم "عند البحر"، ومحمد صالح هارون بفيلمه الجديد "ليلة النجوم", إلى جانب ثورنتون بفيلم "ولفرام". وتؤكد تاتل أن العلاقات الطويلة التي تربط المهرجان بهؤلاء المخرجين تسهم في عودتهم إلى برلين، مشيرة إلى أن الحماس الذي شهده المهرجان في دورته السابقة لعب دورًا مهمًا في ذلك.

وفيما يتعلق بالشائعات التي انتشرت عقب إعلان البرنامج، والتي تحدثت عن رفض مهرجاني كان وفينسيا لبعض الأفلام المشاركة، أكدت تاتل أن هذه التكهنات لا يمكن التحقق منها، موضحة أن فريق البرمجة في برلين كان يراجع الأفلام المختارة منذ مارس 2025.

أما عن قلة الأفلام الأمريكية المستقلة ذات الميزانيات الكبيرة والنجوم البارزين في برنامج هذا العام، فأرجعت تاتل ذلك إلى توجه عالمي متزايد لدى الاستوديوهات لإطلاق أفلامها مباشرة في دور العرض، دون المرور عبر المهرجانات، مؤكدة في الوقت ذاته أن علاقات المهرجان مع شركات الإنتاج الكبرى لا تزال قوية.

وعلى صعيد الفعاليات، ستشهد السجادة الحمراء حضور عدد كبير من النجوم العالميين، من بينهم ميشيل يوه كضيفة شرف، وباميلا أندرسون، وإيثان هوك، وبيلا رامزي، وتشانينج تاتوم، وجيما تشان، وجون تورتورو، إلى جانب مغنية البوب تشارلي إكس سي إكس، وغيرهم.

وفي ظل أجواء سياسية عالمية مضطربة، يسود المهرجان هذا العام مناخ أكثر هدوءًا مقارنة بالدورات السابقة، رغم استمرار القلق من صعود اليمين الشعبوي في أوروبا، وتعترف تاتل بأن هذه المخاوف لا تزال قائمة، لكنها ليست في صدارة الاهتمامات حاليًا.

كما يبدو أن التوترات التي رافقت الجدل حول فيلم "لا أرض أخرى" الفائز بجائزة عام 2024 قد هدأت نسبيًا، بعد جهود حثيثة بذلتها إدارة المهرجان للتواصل مع صناع الأفلام. وتختتم تاتل حديثها بالتأكيد على أن مهرجان برلين السينمائي الدولي سيبقى مساحة آمنة لعرض الأعمال الفنية بحرية، دون رقابة أو تكميم للأصوات، في ظل عالم يشهد صراعات متزايدة.