حققت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، أول امرأة تتولى هذا المنصب، انتصارًا ساحقًا في الانتخابات المبكرة التي خاضتها بعد 110 أيام فقط من توليها السلطة، إذ جاءت النتائج لتمنحها تفويضًا شعبيًا قويًا، يتيح لها تنفيذ سياساتها الاقتصادية التوسعية ومواقفها الحازمة تجاه ملفات الهجرة والعلاقة مع الصين.
مغامرة سياسية محسوبة
خاضت تاكايتشي مراهنة جريئة بدعوتها للانتخابات المبكرة، وهي خطوة برّرتها في تصريحات لهيئة الإذاعة اليابانية NHK بقولها إنها "شعرت بضرورة الحصول على تفويض شعبي بدلًا من الاستمرار دون شرعية واضحة".
وكُلِّلَت هذه المخاطرة بنجاح باهر، إذ كشفت النتائج، التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، عن فوز الحزب الديمقراطي الليبرالي بـ 316 مقعدًا من أصل 465 مقعدًا في مجلس النواب، مقارنة بـ 198 مقعدًا سابقًا.
يمثل هذا الإنجاز سابقة تاريخية، فهي المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي يحصد فيها حزب سياسي ياباني أكثر من ثلثي المقاعد البرلمانية، مما يمنح تاكايتشي أغلبية فائقة نادرة تزيل أي عوائق تشريعية أمام أجندتها الطموحة.
تأييد ترامب
لم يكن الفوز الياباني بعيدًا عن الأضواء الأمريكية، إذ جاء مدعومًا بتأييد واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعرب عن دعمه لتاكايتشي عبر منصة "تروث سوشيال" قبل الانتخابات.
وبعد إعلان النتائج، سارع ترامب لتهنئتها مشيدًا بجرأتها في اتخاذ قرار الانتخابات المبكرة، وفق ما ذكرت نيويورك تايمز، لترد رئيسة الوزراء اليابانية على منصة إكس، معبرةً عن رؤيتها للعلاقات الثنائية، قائلة إن إمكانات التحالف الياباني الأمريكي "لا حدود لها".
وتسعى تاكايتشي حاليًا لإقناع ترامب بالحفاظ على الالتزامات العسكرية والاقتصادية الأمريكية في آسيا، إذ من المقرر أن يلتقي الزعيمان في واشنطن خلال مارس المقبل.
الأسواق تحتفل
انعكس الفوز الانتخابي فورًا على الأسواق المالية اليابانية، إذ أشارت الصحيفة الأمريكية إلى قفزة بنسبة 5% في مؤشر نيكي 225 القياسي، مع بداية تداولات يوم الاثنين، في إشارة واضحة لترحيب المستثمرين بالسياسات المالية التوسعية التي تتبناها تاكايتشي.
تراهن رئيسة الوزراء على برامج إنفاق حكومي ضخمة؛ بهدف كسر دائرة الانكماش الاقتصادي التي طال أمدها، وقد دفعت العام الماضي بميزانية تكميلية قياسية، كما تعتزم تسريع خطط زيادة الإنفاق العسكري والاستثمارات الحكومية الكبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي وصناعة أشباه الموصلات، إلا أن هذه السياسات تثير قلق البعض من تفاقم مستويات الديون اليابانية المرتفعة أصلًا، وسط تطلع العائلات اليابانية للحصول على إغاثة من ارتفاع تكاليف السلع الأساسية، كالطاقة والمواد الغذائية الطازجة، بحسب ما نقلت الصحيفة.
تايوان والصين
تواجه تاكايتشي توترًا متصاعدًا مع بكين؛ بسبب تصريحاتها في نوفمبر الماضي، حول احتمالية تدخل طوكيو عسكريًا في حال شنت الصين هجومًا على تايوان. ووفقًا لما أوردته نيويورك تايمز، ردّت الصين بموجة من الإجراءات العقابية، شملت تقييد استيراد المأكولات البحرية اليابانية، والحد من السياحة الصينية إلى اليابان، والتحرك نحو تقليص صادرات المعادن الحيوية لليابان، إلا أن مؤيدي رئيسة الوزراء يرون أن فوزها الكاسح سيبعث برسالة واضحة، مفادها أن "طوكيو لن تنحني أمام التهديدات الصينية".
وفي هذا السياق، عبّر آوي ناكامورا، الطالب الجامعي البالغ من العمر 22 عامًا، والذي صوّت للحزب الديمقراطي الليبرالي، عن رغبته في أن تحافظ اليابان على موقف صارم دون تقديم أي تنازلات، حسبما نقلت الصحيفة.
جيل جديد يقود التغيير
يعود جزء كبير من نجاح تاكايتشي، البالغة من العمر 64 عامًا، إلى شعبيتها الواسعة بين الشباب، الذين يرونها قائدة تتمتع بجاذبية وديناميكية تميزها عن الصورة التقليدية للحزب الديمقراطي الليبرالي، إذ قال أكيرا تاماجاوا، الطالب العشريني الذي أدلى بصوته في طوكيو، معبرًا عن إعجابه بأسلوبها الواضح في التعبير عن المواقف.
وعلى الرغم من ظروف الطقس القاسية التي شهدت تساقط ثلوج كثيفة، أجبرت العديد من مراكز الاقتراع على فتح أبوابها متأخرة أو إغلاقها مبكرًا، فقد بلغت نسبة المشاركة حوالي 56%، مقارنة بـ 54% في الانتخابات السابقة عام 2024.
كما شهدت الانتخابات صعود حزب "سانسيتو" اليميني الذي يشبه حركة "ماجا" الأمريكية، إذ قفز من مقعدين إلى 15 مقعدًا وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة اليابانية، مما يضع ضغوطًا إضافية على تاكايتشي للتحرك سريعًا في رفع الأجور الراكدة والتشديد على ضوابط الهجرة.