ثمة مقومات فنية تميز الفنان محمد فراج، ليس فقط موهبته بل قدرته على التطور المستمر وعدم الوقوف عند نجاح بعينه، فكل مرحلة في مسيرته تحمل إضافة جديدة، سواء على مستوى النضج الفني أو الوعي بالاختيار.
على مدى أكثر من عقدين، استطاع "فراج" أن يشق طريقه بهدوء وثبات، ليصبح واحدًا من أكثر الممثلين المصريين حضورًا وتميزًا في جيله، بفضل ذكاء استثنائي في اختيار أدواره، وقدرة لافتة على التلون والتجسد، جعلت كل شخصية يقدمها تبدو كأنها كُتبت خصيصًا له.
يفضّل "فراج" دائمًا المراهنة على المساحات الصعبة التي تمكنه من الغوص في أعماق النفس البشرية، ومع اقتراب موسم دراما رمضان 2026، يخوض خطوة جديدة في مسيرته عبر البطولة المطلقة لمسلسل "أب ولكن"، في عمل يراهن على الدراما الإنسانية العميقة، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أحد أكثر الملفات الأسرية حساسية وتعقيدًا.
بطل يتطور
منذ بداياته، كشف "فراج" عن وعي مبكر بأهمية التنوع، فانتقل بسلاسة بين أدوار الشاب الرومانسي، والرجل المأزوم نفسيًا، والمثقف، والشرير المركب، والشيخ المتشدد، والعاشق، والزوج المعقد، وصولًا إلى الأب الذي يحمل جراحه الخاصة، وهذا التنوع لم يكن مصادفة بل نتاج رؤية فنية واضحة، تجعله يختار أدواره بناءً على عمق الشخصية وتأثيرها، لا على حجمها فقط.
في أعمال مثل "بدون ذكر أسماء" و"عد تنازلي" و"تحت السيطرة" و"سقوط حر" وبطن الحوت" و"خلي بالك من زيزي" و"هذا المساء" وغيرها، أثبت "فراج" قدرته على الإمساك بالتفاصيل الدقيقة للشخصية، سواء في انفعالاتها أو صمتها أو صراعاتها الداخلية، ليصبح واحدًا من الممثلين القلائل الذين يملكون مهارة الأداء الهادئ المشحون بالمشاعر.
شهدت السنوات الأخيرة نقلة واضحة في مسيرة محمد فراج، إذ انتقل من مرحلة الممثل صاحب الأدوار المؤثرة، إلى النجم القادر على حمل عمل كامل على كتفيه، ونجح في ترسيخ هذا التحول من خلال مجموعة من البطولات اللافتة، من بينها: "لعبة نيوتن" بشخصية "مؤنس" التي اعتبرها كثيرون علامة فارقة في مشواره، و"كتالوج" في دور "يوسف" الرجل الذي يواجه مسؤولية الأبوة في ظروف استثنائية، و"ورد وشوكولاتة" في شخصية "صلاح" ذات الأبعاد النفسية المعقدة، و"منتهي الصلاحية" الذي أكد من خلاله قدرته على تقديم البطولة بروح مختلفة.
هذه الأعمال لم تضف فقط إلى رصيده الجماهيري، بل أكدت أنه أحد أهم ممثلي جيله على مستوى الأداء والاختيارات.
دراما من الواقع
في مسلسل "أب ولكن"، يواصل محمد فراج انحيازه للدراما التي تمس الواقع الاجتماعي مباشرة، إذ يجسد شخصية أب محروم من رؤية ابنته لسنوات طويلة، رغم محاولاته القانونية المتكررة، ليجد نفسه في مواجهة منظومة من القوانين والصراعات الأسرية والجراح النفسية.
المسلسل يناقش قضايا شديدة الحساسية، في مقدمتها قانون الرؤية، وتأثيره على الآباء والأبناء، كما يتطرق إلى تفكك العلاقات الزوجية، وصعوبة التوازن بين الحق القانوني والاحتياج الإنساني، في إطار درامي إنساني بعيد عن المباشرة أو الشعارات.
ويعتمد العمل على الغوص في أعماق شخصية الأب، ليس فقط كطرف في نزاع قانوني، بل كإنسان يحمل شعور الفقد والخذلان والعجز والأمل المستمر في استعادة علاقته بابنته.
رهان جديد
اختيار محمد فراج لمسلسل "أب ولكن" يعكس استمرار رهانه على الأعمال التي تضعه في اختبار حقيقي كممثل، وتمنحه مساحة لتقديم أداء داخلي يعتمد على الصدق والتفاصيل أكثر من الاعتماد على الاستعراض.
كما يمثل المسلسل امتدادًا طبيعيًا لخط فني واضح يتبناه فراج في السنوات الأخيرة، يقوم على تقديم شخصيات قريبة من الناس، تحمل تناقضاتهم وتعيش أزماتهم، دون تجميل أو تهويل.