صرَّح نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مزهر، بأن الانشقاقات التي شهدتها الجبهة عبر تاريخها لم تكن تقليدية، بل جاءت نتاج خلافات فكرية وأيديولوجية داخل الائتلاف الذي تأسست منه الجبهة عام 1967.
وأوضح مزهر، خلال استضافته في برنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية"، الذي يقدمه الإعلامي سمير عمر، أن ما يعرف بخروج "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" جاء نتيجة عدم التوافق بين المكونات التي شكلت الجبهة في بداياتها، والتي ضمت مجموعات عدة من بينها "أبطال العودة" و"الشباب الثائر" و"جبهة تحرير فلسطين".
وأشار إلى أن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين انشقت لاحقًا من رحم الجبهة الشعبية، لافتًا إلى أن المبررات التي طُرحت في تلك المرحلة -ومن بينها شعارات منها "الطلاق الديمقراطي" التي أطلقها الدكتور جورج حبش- عكست حجم الخلافات الفكرية داخل التنظيم.
وأكد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية أن الطموحات الشخصية لعبت دورًا جزئيًا في تلك الانشقاقات، إلى جانب التباينات الأيديولوجية بين تيار تمسك بالفكر القومي العربي، وآخر تبنى الماركسية، مشيرًا إلى أن استغلال فترة اعتقال حبش في سوريا أسهم في محاولات إحداث تغييرات داخل الجبهة الشعبية.
في سياق آخر، شدد "مزهر" على أن الجبهة لا تزال تؤمن بأن الحل العربي يشكل ركيزة أساسية في مشروع التحرير، مؤكدًا أن العمق القومي العربي يمثل سندًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية.
وأوضح أن الجبهة حافظت على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، دون أن تنفصل عن محيطها العربي أو بعدها الأممي، معتبرًا أن القضية الفلسطينية تظل قضية عربية في جوهرها، وفي الوقت نفسه قضية إنسانية عادلة تحظى بدعم قوى تحررية على مستوى العالم.
وأضاف أن الجبهة والثورة الفلسطينية عمومًا رسختا الهوية الفلسطينية كأساس للنضال الوطني، مع الحفاظ على الإطار القومي العربي والبُعد الأممي للقضية.
رؤية جورج حبش لأوسلو كانت ثاقبة
وقال "مزهر" إن موقف جورج حبش من اتفاقيات أوسلو كان مبنيًا على رؤية ثاقبة واقعية وعلمية واستشراف للمستقبل، مؤكدًا أن قراءته للمآلات المحتملة لاتفاقيات أوسلو كانت دقيقة وواقعية.
وأضاف نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن اتفاقيات أوسلو ألحقت ضررًا كبيرًا بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن المشروع الوطني ومشروع الدولة الفلسطينية تلاشت آثارهما نتيجة هذه الاتفاقيات.
وأوضح أن الاحتلال الإسرائيلي استغل الاتفاقيات كغطاء لمواصلة سياساته الاستيطانية والتوسع على الأرض، ما قيَّد الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن نتائج اتفاقيات أوسلو كانت كارثية على القضية الفلسطينية، موضحًا أن الاحتلال الإسرائيلي استخدمها لتقييد السلطة الفلسطينية ووضعها ضمن إطار إداري وأمني محدد، بدلًا من تمكينها من إقامة دولة فلسطينية.
وأوضح "مزهر" أن المرحلة الانتقالية التي كانت مقررة أن تنتهي عام 1999 لم تستكمل، وانقلب الاحتلال على الاتفاقيات، مستغلًا إياها كغطاء لمواصلة سياساته في تهويد القدس والاستيلاء على الأراضي وتدمير مقومات الدولة الفلسطينية.
وأشار إلى أن الواقع اليوم يثبت صحة التحذيرات التي أطلقها جورج حبش والجبهة الشعبية حينها، مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يعترف باتفاقيات أوسلو، ويسعى لتفتيت الكيانية الفلسطينية.
وتابع: التحديات والمخاطر تتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا لحماية المشروع الوطني ومستقبل الشعب الفلسطيني وأجياله القادمة.
وراء العدو في كل مكان
وأضاف "مزهر" أن الشهيد وديع حداد -الذي رفع شعار "وراء العدو في كل مكان"- كان يسعى من خلال هذه العمليات إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية إنسانية للاجئين إلى قضية وطنية عادلة أمام المجتمع الدولي، ما أسهم في الاعتراف بالشعب الفلسطيني وترسيخ هويته الوطنية، وتسليط الضوء على معاناته تحت الاحتلال.
وأكد أن العمليات النوعية التي قادها حداد لعبت دورًا مهمًا في رفع وعي العالم بالقضية الفلسطينية ووضعها على جدول الأعمال الدولي.
وأوضح نائب الأمين العام أن الجبهة الشعبية قررت فيما بعد وقف أسلوب عمليات خطف الطائرات، بعد تحقيق الأهداف المرجوة من خلالها، ووضعت هذا القرار بشكل واضح ضمن سياسة الجبهة.
وحول الانضباط التنظيمي، أشار مزهر إلى أن الدكتور وديع حداد فُصِل مؤقتًا عن الجبهة لعدم التزامه بقرارات القيادة، مستشهدًا بقول جورج حبش: "إما وديع وإما الانضباط"، لكنه شدد على أن حداد ظل وفيًا للجبهة طوال حياته، واستمر في التواصل مع قياداتها، وعند استشهاده عام 1978 في العراق، شاركت قيادة الجبهة في وداعه وتأبينه.
ونوه بأن الجبهة أعادت الاعتبار لوديع حداد في مؤتمرها، تقديرًا لوفائه وتضحياته، مشيرًا إلى تنازله عن كل ما حققه من مقدرات وأملاك لصالح الجبهة خلال حياته.
ويرى نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن مرحلة ما بعد الخروج من بيروت عام 1982 شكلت تراجعًا عامًا في الحالة الوطنية الفلسطينية، إلا أن الجبهة الشعبية، بقيادة أمينها العام آنذاك جورج حبش، اختارت الاستمرار في خيار المقاومة وعدم الرهان على مسار التسوية.
وأوضح مزهر أن اختيار "حبش" التوجه إلى سوريا بعد الخروج من بيروت، بدلًا من الالتحاق بقيادة منظمة التحرير في تونس، جاء انطلاقًا من قناعة بضرورة البقاء قريبًا من فلسطين وفي دول الطوق، بما يضمن استمرار جذوة المقاومة.
وأكد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن الجبهة الشعبية لم تؤمن يومًا بخيار التسوية مع الاحتلال، نظرصا لاختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، وغياب إرادة دولية حقيقية لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
وقال إن أي مفاوضات في ظل موازين لصالح إسرائيل كانت محكومة بالفشل، إذ تفتقر إلى معادلة عادلة تفرض على الاحتلال الالتزام بالقانون الدولي.
وأضاف أن الجبهة طرحت في حينه شعارًا بديلًا تمثل في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، برعاية الأمم المتحدة، لتطبيق قرارات الشرعية الدولية المنصفة للشعب الفلسطيني، إلا أن هذا الطرح لم يتحقق بفعل الهيمنة الأمريكية على المؤسسات الدولية ورفض الاحتلال الإسرائيلي الخضوع للقانون الدولي.
وأكد أن إسرائيل تتعامل كدولة فوق القانون، منتهكة القوانين الدولية والإنسانية، وتمارس سياسات الهيمنة والقوة في المنطقة، ما عزز قناعة الجبهة بضرورة التمسك بخيار المقاومة بكل أشكالها ووسائلها، باعتباره السبيل لتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.