الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

المفكر الفلسطيني حسن عصفور: جوهر تدمير مشروع السلام بدأ مع باراك

  • مشاركة :
post-title
الكاتب الفلسطيني حسن عصفور مع الإعلامي سمير عمر

القاهرة الإخبارية - محمود ترك

في حوار مطول حمل أبعادًا سياسية وتاريخية وكشف حقائق كثيرة، واصل المفكر الفلسطيني حسن عصفور، الحديث عن كواليس دقيقة تتعلق بمسار الاعتراف المتبادل واتفاق أوسلو، وما ارتبط به من جدل واسع حول تعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، مؤكدًا أن كثيرًا مما جرى تداوله سياسيًا لم يُنفذ قانونيًا على أرض الواقع.

وقال عصفور، وزير شؤون المفاوضات الأسبق، خلال لقائه اليوم الجمعة مع الإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية" المُذاع على قناة "القاهرة الإخبارية"، إن مبدأ الاعتراف المتبادل كان يتضمن في جوهره جزءًا متعلقًا بتعديل ميثاق منظمة التحرير، موضحًا أن النصوص الخاصة بفلسطين التاريخية كانت كاملة داخل الميثاق، وتحيل كل ما يتعلق بالأرض والحقوق الوطنية إلى مرجعية واضحة ومحددة.

وأشار إلى أن صياغة نص سياسي واضح جرى التوافق عليها بالفعل، غير أن التطبيق العملي تعثر بسبب الظروف السياسية المعقدة التي أحاطت بأول انعقاد للمجلس الوطني بعد توقيع الاتفاق، وهي مرحلة وصفها بأنها شديدة الحساسية والاضطراب.

وأوضح "عصفور" أن انعقاد المجلس جاء عقب اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، وهو الحدث الذي شكَّل نقطة تحول خطيرة في مسار العملية السياسية، مؤكدًا أن اغتيال رابين لم يكن استهدافًا لشخصه فقط، بل كان بمثابة اغتيال فعلي للاتفاق ذاته ولروحه القائمة على التزامات متبادلة ونصوص واضحة.

نتنياهو ومسار الاتفاق

وأضاف أن صعود بنيامين نتنياهو إلى الحكم لاحقًا مثَّل تعطيلًا مباشرًا لمسار الاتفاق، إذ بدأت إسرائيل منذ تلك اللحظة في تفريغ إعلان المبادئ من مضمونه، والتنصل التدريجي من التزاماتها السياسية والقانونية.

وكشف وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني الأسبق أنه كان عضوًا في اللجنة السياسية للمجلس الوطني قبل أن يطلب منه الانتقال إلى اللجنة القانونية، نظرًا لحساسية ملف الميثاق، مشيرًا إلى أن النقاشات داخل اللجنة كانت محتدمة، وانتهت إلى صيغة اعتبرت حلًا وسطًا، تقوم على تشكيل لجنة متخصصة لدراسة المواد التي قد تتعارض مع الاتفاقات، بدلًا من تعديل مباشر قد يفجر خلافات سياسية داخلية.

وأكد عصفور أن المجلس الوطني خرج بالفعل بصيغة مكتوبة وواضحة، تم إقرارها كنص رسمي، تنص على تشكيل لجنة مختصة لدراسة مواد الميثاق تمهيدًا لتعديلها لاحقًا بعد البحث والمقارنة، إلا أن هذه الصيغة بقيت حبيسة الإطار السياسي ولم تترجم إلى تعديل قانوني فعلي.

وأشار إلى أن ما جرى لاحقًا جرى تسويقه دوليًا على أنه تعديل للميثاق، بينما الحقيقة أن النص الأصلي لم يُمس، لافتًا إلى أن الاجتماع الذي عقد بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون لم يكن دورة رسمية للمجلس الوطني، بل لقاء غير رسمي شهد مظاهر رمزية وتصفيقًا، دون أي إجراء قانوني معتمد.

وشدد على أن العودة إلى الوثائق الرسمية المتاحة حتى اليوم تؤكد أن الميثاق لم يُعدَّل، داعيًا إلى التمييز بين البيانات السياسية والخطاب الدبلوماسي من جهة، والنصوص القانونية من جهة أخرى.

في هذا السياق، أوضح عصفور أن الخطاب السياسي الفلسطيني تطور لاحقًا للحديث عن دولة على حدود عام 1967، وهو ما انعكس في مواقف الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية، لكنه لا يعني من الناحية القانونية تعديل الميثاق الوطني.

وأكد أن هذا الجمود ارتبط كذلك بتصرفات إسرائيل نفسها، التي ألغت عمليًا اعترافها بمنظمة التحرير، وأنكرت صفة الاحتلال عن الضفة الغربية، وتنصلت من وضع القدس الشرقية، رغم مشاركة القدس في انتخابات المجلس التشريعي عام 1996 ووجود نواب منتخبين عنها.

الولاية الفلسطينية على القدس

وشدد عصفور على أن مشاركة القدس في الانتخابات تمثل دليلًا واضحًا على وجود ولاية فلسطينية قائمة آنذاك، مؤكدًا أنه لا يمكن وجود نائب منتخب دون ولاية سياسية وقانونية، وهو ما أقرته إسرائيل ضمنيًا قبل أن تتراجع لاحقًا عن كل التزاماتها.

وأشار إلى أن إسرائيل، منذ وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 1996، ألغت عمليًا مضمون الاعتراف المتبادل، وتنصلت من التزاماتها السياسية والقانونية، ما يجعل الطرف الفلسطيني غير ملزم بإجراء أي تعديل إضافي في ظل هذا الانسحاب الإسرائيلي الشامل.

وقال إن الاعتراف المتبادل كان الأساس الذي قامت عليه العملية السياسية، ومع سحبه من الجانب الإسرائيلي، اختل ميزان الاتفاق بالكامل.

وتطرق عصفور إلى كواليس توقيع إعلان المبادئ، كاشفًا أن التفاهمات كانت تقضي بتوقيع محمود عباس نيابة عن الجانب الفلسطيني في واشنطن، إلا أن الرئيس الراحل ياسر عرفات قرر في اللحظات الأخيرة ترؤس الوفد بنفسه، ما أحدث ارتباكًا في الترتيبات، قبل أن تُحسم المسألة بحضور عرفات إلى جانب عباس الذي وقع رسميًا، بينما بقي عرفات العنوان السياسي والرمزي للمشهد، لتصبح صورة المصافحة مع رابين هي الأبرز والأكثر تعبيرًا عن إعلان المبادئ، أكثر من لحظة التوقيع ذاتها.

ونفى عصفور ما تردد عن عدم عودته إلى الأراضي الفلسطينية بعد الاتفاق، مؤكدًا أنه كان من أوائل العائدين إلى قطاع غزة، وأن عودته جاءت بدافع العمل الميداني، لا بحثًا عن منصب، إذ لم يكن مطروحًا حينها أي موقع وزاري.

وأوضح أنه صدر مرسوم رئاسي بتشكيل دائرة خاصة بالمفاوضات داخل منظمة التحرير، بعد رفض أحد الأحزاب المشاركة كشريك إستراتيجي في السلطة، وهو ما اعتبره عصفور خطأً إستراتيجيًا كبيرًا في تلك المرحلة.

وأشار إلى أن الأوضاع في غزة آنذاك لم تكن مستقرة، مع بروز مظاهر عسكرة في الشارع، وهو ما لم يكن منسجمًا مع طبيعة المجتمع الغزي، مؤكدًا أن حركة حماس عارضت مسار أوسلو منذ بدايته، وتعاملت مع العائدين باعتبارهم خصومًا سياسيين.

وقال إن الحركة عملت منذ أواخر الثمانينيات على بناء تنظيم موازٍ لمنظمة التحرير، ببيانات وتحركات مستقلة، ما عمَّق الانقسام الداخلي وأضعف الموقف الوطني الجامع.

وأوضح أن حماس لم تنخرط في الانتفاضة الأولى فقط لمواجهة الاحتلال، بل سعت أيضًا إلى موازاة دور منظمة التحرير سياسيًا، وهو ما انعكس لاحقًا في توتر العلاقة بعد أوسلو.

وأضاف أن الحركة استخدمت شعارات المقاومة في سياق مختلف عن جوهر المشروع الوطني الجامع، معتبرًا أن هذا السلوك شكّل أحد العوامل التي أثرت على وحدة الموقف الفلسطيني، وهو ما انعكس لاحقًا في طبيعة العلاقة المتوترة معها بعد توقيع اتفاق أوسلو.

وكشف عصفور أنه رفع تقارير مباشرة إلى عرفات حذر فيها من تدهور الأوضاع الأمنية في غزة، مطالبًا بدخوله السريع إلى الداخل، وهو ما حدث لاحقًا بقرار مفاجئ مهد لعودته التاريخية إلى غزة عبر القاهرة، وسط استقبال جماهيري واسع وبرعاية مصرية مباشرة.

كما كشف عن استبعاده من بعض جولات التفاوض بطلب من المبعوث الأمريكي دينيس روس، خاصة مفاوضات اتفاق الخليل عام 1997، مشيرًا إلى أن الصياغات المطروحة حينها لم تكن منسجمة مع الموقف الفلسطيني.

وأكد أن التعامل مع حكومة نتنياهو كان بالغ التعقيد، وأن الوفد الفلسطيني قاطعه سياسيًا في أكثر من مناسبة، باستثناء لقاءات محدودة أجراها محمود عباس فرضتها الضرورة، قبل أن يعلن نتنياهو صراحة عدم التزامه بما تم الاتفاق عليه، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون طعنة مباشرة، دفعه إلى العمل بشكل علني على إسقاط حكومة نتنياهو، عبر تنسيق سياسي قادته الإدارة الأمريكية بمشاركة أطراف إقليمية ودولية.

وفي حديثه، شدد "عصفور" على أن "عرفات" لم يخطئ في تمسكه بالسيادة الفلسطينية على القدس خلال مفاوضات كامب ديفيد، مؤكدًا أنه "لا يوجد أنبياء في السياسة"، وأن أي مسار تفاوضي لا يخلو من أخطاء، لكن جوهر الموقف كان وطنيًا ومسؤولًا، وأن توقيع اتفاق إعلان المبادئ لم يكن خطأً فلسطينيًا، بل شكل محطة تاريخية مفصلية كرّست الاعتراف بالحقوق الفلسطينية على أساس سياسي، وليس دينيًا أو أيديولوجيًا.

وشدد عصفور على أن التجربة أثبتت وجود تمايز حقيقي بين الحكومات الإسرائيلية، مؤكدًا أن الفريق الوحيد الذي أبدى رغبة فعلية في السلام كان معسكر إسحق رابين وشيمون بيريز.

وأشار إلى أن تدمير مشروع السلام لم يبدأ فقط مع نتنياهو، بل تأسس في مرحلة إيهود باراك واستكمل لاحقًا في عهد أرييل شارون، بينما شكل الانقسام الفلسطيني الداخلي العامل الأخطر في تقويض أي فرصة حقيقية لإنقاذ المسار السياسي.

ممارسات حماس خدمت أجندة إسرائيل

وأشار الكاتب والمفكر البارز إلى أن غياب موقف وطني موحد، وحالة التشرذم والانفصال، أضعفت القدرة الفلسطينية على مواجهة المشروع الإسرائيلي.

ولفت وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني الأسبق إلى أن دور حركة حماس -منذ نشأتها- لم يكن خارج هذا السياق، معتبرًا أن ممارساتها السياسية والأمنية أسهمت -بشكل مباشر أو غير مباشر- في خدمة أجندات اليمين الإسرائيلي، وأن النتيجة الأبرز لهذا المسار كانت إعادة نتنياهو إلى الحكم، ثم تعميق الانقسام بعد فوز حماس في الانتخابات وما تبعه من أحداث دامية.

واختتم عصفور بالتأكيد على أن الانقسام، وسيطرة حماس على قطاع غزة لاحقًا، مثّلا الهدية الأكبر التي حصلت عليها إسرائيل بعد أوسلو، لما أحدثاه من ضرب لوحدة الأرض والشعب والقرار، رغم وجود محاولات محدودة داخل الحركة لتقديم رؤى وطنية لم تتحول إلى مسار فعلي.

وسوم :