الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

شراكة تنموية: دلالات انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى

  • مشاركة :
post-title
العلمان المصري والاتحاد الأوروبي

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

يأتى انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى بالعاصمة البلجيكية بروكسيل في 22 أكتوبر 2025 وبمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكبار القادة الأوروبيين وممثلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي فى إطار تعزيز ركائز الشراكة التنموية بين مصر والاتحاد الأوروبي، وبعد مرور ما يقرب من 19 شهرًا على إطلاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الجانبين فى مارس 2024.

كما تنعقد القمة تحت عنوان "تنفيذ الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر: تسريع الاستثمار الاستراتيجي والتحول نحو التصنيع والابتكار". لتمثل محطة محورية في مسار العلاقات المصرية الأوروبية كأول قمة بين الاتحاد الأوروبي ودوله من جنوب المتوسط، الذى تعتبره الدول الأوروبية فناءً استراتيجيًا لها تتأثر بتفاعلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية. فى ظل اعتبار المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية وحدة واحدة تمتلك قواسم مشتركة من الإرث التاريخي والحضاري والمصالح المشتركة والتحديات المتماثلة التى تحتاج لتضافر الجهود المشتركة لمواجهتها.

توقيت الانعقاد

يأتى انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى لتتزامن مع العديد من التحولات التى تشكّل اهتمامًا مشتركًا مصريًا أوروبيًا. وهو ما يمكن الإشارة إلى أبرز تلك التحولات على النحو التالي:

أولها: التحولات الإقليمية التى ترتبط بتفاعلات الشرق الأوسط، لا سيما ما يتعلق بتداعيات قمة السلام بشرم الشيخ، التى استضافتها مصر في 13 أكتوبر 2025، وتوقيع اتفاق إنهاء الحرب فى غزة بضمانة مصرية أمريكية قطرية تركية، وهي القمة التى استضافت ما يزيد على 30 من رؤساء وقادة دول العالم، وعكست محورية الدور المصري كصانع للسلام في منطقة الشرق الأوسط.

وجاء التمثيل الأوروبي في القمة على أعلى مستوى فعل سبيل المثال شارك في القمة من القادة الأوروبيين :الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ، والمستشار الألماني فريدريش ميرتز، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.

هذا التمثيل الرفيع عكس الاهتمام الأوروبي بالقضية الفلسطينية، وتطور مسارها فى ظل قناعة مصرية أوروبية مشتركة وراسخة بأهمية حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولتة المستقله وفق مقررات الشرعية الدولية، وحقه أيضًا كباقى شعوب العالم في تقرير مصيره ورفض تهجيره من أرضه، وكذلك رفض كل صور الانتهاكات التى مارستها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة. وقد جسّد ذلك الاهتمام المشترك التوافق المصرى الأوروبي على التصويت لحل الدولتين خلال فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة الذى جاء في 12 سبتمبر 2025 بأغلبية 142 صوتًا، واعتراض 10 أصوات بينها إسرائيل والولايات المتحدة، وامتناع 12 دولة عن التصويت.

وثانيها: التطورات الدولية وما يرتبط بتطورات الحرب الروسية الأوكرانية التى تشكل تهديدًا للأمن الأوروبي والعالمي، ولطالما طالبت مصر بضرورة التسوية السلمية للحرب نظرا لتداعياتها الاقتصادية على كافة أقاليم العالم، حيث وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش قمة كوب 27 التى استضافتها مصر بشرم الشيخ في نوفمبر 2022 نداءً عالميًا لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ويمثّل الصراع الروسي الأوكراني، وتعقده أحد التحديات التى تواجه الاستقرار العالمي بشكل عام. وهو ما دفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخيرًا للقول بأن أوكرانيا تحتاج لاتفاق لوقف إطلاق النار كما حدث في غزة.

وثالثها: تنوع الأزمات الاقتصادية العالمية وما يرتبط بتطور أزمة الديون العالمية وتحديات التكنولوجيا الحديثة، وقضايا الهجرة التى تشكل تهديدًا عالميًا يتوزع عبئها على الدول المرسلة والمستقبلة وكذلك دول الممر، لا سيما أن ظاهرة الهجرة أضحى لها تكلفتها الاقتصادية، حيث تمثل خصمًا من رصيد القوة البشرية للدولة المرسلة، وما تشكله من نزيف أدمغة وهجرة للكفاءات، كما أن تلك الهجرة أيضًا تحمل تهديدًا للدول التى تمر بها، وما تسلكه من مسارات خطرة تشكل عبئًا على حفظ الأمن، كما أنها تشكّل تهديدًا للدول المستقبلة فى تغيير تركيبتها الديموجرافيه وهويتها وقيمها فى ظل تنامي تيارات يمينية ترفض الهجرة وتطالب بترحيل المهاجرين غير الشرعيين. الأمر الذي تجسده الحالة الأوروبية فبرغم مساهمة المهاجرين في النهضة والتنمية الأوروبية، إلا أن صعود اليمين المتطرف في تلك الدول جعل من ظاهرة الهجرة تحديًا يطالب بمواجهته سواء من خلال رفض دخول مهاجرين جدد، أو المطالبة بترحيل المهاجرين غير الشرعيين منهم إلى بلد آخر أو رفض منح الجنسية لكل من يولد من أبوين هاجروا بطرق غير شرعية.

دلالات متنوعة

فى ظل السياقات الدولية والإقليمية الراهنة يعكس انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى العديد من الدلالات لعل أهمها:

(*) محورية الشراكة التنموية المصرية الأوروبية: تُظهر الاحصاءات أن الاتحاد الأوروبي جاء الشريك التجاروي الأول لمصر خلال عام 2024، حيث استحوذ على 22% من إجمالي تجارتها مع العالم الخارجي، وكان الوجهة الرئيسية للصادرات المصرية بنسبة 26,5% والمصدر الأكبر للواردات بنسبة 19,9%. وتعزيزًا لتلك الشراكة التنموية، فإن انعقاد القمة المصرية الأوروبية جاء قبل انعقاد القمة الأوروبية بيوم واحد، وهو ما يعني أن تلك الشراكة ليست قاصرة فقط على مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وإنما تمتد لكل دول الاتحاد، لا سيما أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي والموقّعة في مارس 2024 مثّلت محطة مفصلية فى مسار العلاقات المصرية الأوروبية ومجالاتها المتنوعة، حيث اشتملت على ستة محاور رئيسية للتعاون بين الجانبين.

الأول يتعلق بالعلاقات السياسية والحوار السياسي رفيع المستوى، والثاني المحور الاقتصادي ويشمل دعم الاستقرار الاقتصادي في مصر. فيما يأتي المحور الثالث ليرتبط بالتجارة والاستثمار وتعزيز التجارة البينية. أما المحور الرابع فهو الهجرة الذي يرتبط بمسارات التفاعل البشري بين مصر والاتحاد الأوروبي وانتقالات البشر ومواجهة الأسباب الجذرية للهجرة غير الشرعية. أما المحور الخامس فهو خاص بالأمن ومكافحة الإرهاب ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة. ويأتى المحور السادس والأخير ويرتبط بالديموجرافيا والاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتعليم الفني وبرامج التدريب ورفع الكفاءات والقدرات لضمان الاستفادة من القوة البشرية الهائلة فى مصر. وتأكيدًا على أهمية تلك الشراكة فقد أشارت أنجلينا أيخهورست سفيرة الاتحاد الأوروبي في مصر أن توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي يمثّل خطوة غير مسبوقة نحو شراكة حقيقية، مضيفة أن الاتفاقية ترافقت مع حزمة مساعدات مالية ضخمة بلغت 7,4 مليار يورو، وهي ثاني أكبر حزمة يقدمها الاتحاد الأوروبي عالميًا لشريك من خارج الاتحاد الأوروبي بعد أوكرانيا، كما أنها تعكس الثقة العالمية في الاقتصاد المصري، وتؤكد قدرة مصر على مواجهة التحديات وتحقيق النمو المستدام.

(*) تسويق الفرص الاستثمارية في مصر: تتنوع الفرص الاستثمارية فى مصر بعد أن دشنّت مسار الإصلاح الاقتصادي منذ عام 2016، ووضعت الإطار التشريعي لتعزيز الفرص الاستثمارية وتنويع مجالاتها، فضلًا عن طرح العديد من الحوافز المشجعه للاستثمار. لذلك فإن انعقاد القمة يشكّل فرصة مواتية للتسوبق للفرص الاستثمارية فى مصر. الأمر الذى أكد عليه حوار جريدة الأهرام في 21 أكتوبر 2025 مع السفير أحمد أبوزيد سفير مصر لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورج وحلف الناتو، الذى أشار إلى أن الفعالية المهمة التي ستعقد على هامش القمة هي الحدث الاقتصادي الذى تنظمه المفوضية الأوروبية والحكومة المصرية لتحفيز وتشجيع الاستثمار الأوروبي فى مصر ودعم العلاقات التجارية والاستثمارية. وهو ما سيسهم في استعراض مصادر التمويل الأوروبية المتاحة وحوافز وضمانات الاستثمار التي يقدمها الاتحاد ومؤسساته للقطاع الخاص الأوروبي لتشجيعه على الاستثمار في مصر في قطاعات معينة مثل الطاقة الجديدة والمتجددة واستخداماتها والطاقة النظيفة، وربط مصر بسلاسل الإنتاج الأوروبية.

وتماشيًا مع ذلك التوجه فقد وضع مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الذى عُقد في يونيو 2024 أساس تعزيز التعاون الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الأوروبية المباشرة، لا سيما في مجالات الطاقة النظيفة والهيدرودين الأخضر والمياه والتحول الرقمي إلى جانب تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتمكين القطاع الخاص. ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء فقد ارتفعت قيمة الصادرات المصرية لدول الاتحاد الأوروبي لتصبح 6,8 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025 مقابل 6,1 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 11.1%. كما بلغت قيمة الواردات المصرية 9,2 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025 مقابل 10,2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024 بنسبة انخفاض قدرها 9,5 %. في حين انخفض التبادل التجاري بين مصر والاتحاد الأوروبي ليصل إلى 16 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025 مقابل 16,3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024 بنسبة انخفاض قدرها 1,8%. وتسعى مصر إلى زيادة الصادرات لتقليل العجز التجاري في إطار منظمة التجارة الحرة الموقعة عام 2004.

(*) أهمية التعاون الثقافي: تضمن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي محورًا رئيسيًا يرتبط بالاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتعليم الفني وبرامج التدريب. ويمثل البُعد الثقافي أهمية رئيسية فى مجالات التعاون المصري الأوروبي، لا سيما أن المفوضية الأوروبية تدعم العديد من المشروعات التى تركّز على التنوع الثقافي والابتكار ودعم المبادرات الإبداعية والثقافية ،ودعم المواهب وتطوير قدرات المؤسسات الثقافية. ويأتى فى مقدمة تلك الأنشطة المبادرات التي يدعمها البرنامج الثقافي الأوروبي المصري التابع لاتحاد المعاهد الثقافية الوطنية الأوروبية (يونيك). لذلك جاء تأكيد سفيرة الاتحاد الأوروبي في مصر أنجلينا ايخهوست فى سبتمبر 2025 بأن مصر رائدة ثقافيًا في مجالات السينما والموسيقى ومختلف أشكال الفن، وأن الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع مصر يسعى إلى توسيع الفرص الثقافية وتعزيز الصناعات الإبداعية وتضخيم تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي.

الخلاصة أن تصريحات رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في سبتمبر 2025، التى أكد فيها أن مصر شريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي، وأن العلاقات المصرية الأوروبية متجذرة في التاريخ والجغرافيا والثقافة المشتركة، فضلًا عن تقدير دور مصر في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، وخاصة وساطتها في نزاع غزة، وأن هذه القمة الثنائية الأولى ستكون فرصة ممتازة لتعزيز الشراكة والتعاون فى مواجهة التحديات المشتركة، وإطلاق العنان لإمكانات الطرفين. هذه التصريحات تعكس إدراكًا أوروبيًا حقيقيًا بأن مفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط يبدأ من مصر، وأن مصر تمتلك من القدرات الاقتصادية ما يجعلها قادرة على أن تقدم نموذجًا تنمويُا رائدًا يعزز من مكانتها الإقليمية ويصون التنمية والاستقرار فى الإقليم.