شهد إقليم بلوشستان الباكستاني موجة عنف غير مسبوقة، تمثلت في هجمات مسلحة وتفجيرات متزامنة طالت مناطق متفرقة من المقاطعة، في تطور أمني لافت أعاد الإقليم إلى واجهة المشهد الداخلي الباكستاني، وسط تبادل اتهامات إقليمية وتصريحات رسمية تؤكد استمرار المواجهة مع الجماعات المتمردة.
حصيلة القتلى
أعلن الجيش الباكستاني أن سلسلة من الهجمات المسلحة والتفجيرات بالقنابل التي نُفذت في مختلف أنحاء إقليم بلوشستان (الواقع جنوب غربي البلاد) أسفرت عن مقتل 18 مدنيًا، إضافة إلى 15 من أفراد قوات الأمن، في يوم وُصف بأنه من أكثر الأيام دموية التي تشهدها المقاطعة خلال الفترة الأخيرة.
وذكر الجيش أن قوات الأمن التي تصدت لأعمال العنف تمكنت من قتل ما لا يقل عن 92 مهاجمًا، في حين كان "جيش تحرير بلوشستان" المتمرد أعلن في وقت سابق مسؤوليته عن الهجمات، مدعيًا مقتل عشرات الجنود خلال المواجهات التي أعقبت تنفيذ العمليات.
ويعد هذا التصعيد واحدًا من أكثر أيام العنف دموية في هذه المقاطعة الفقيرة، إذ تخوض حكومة باكستان منذ عقود صراعًا مستمرًا ضد تمرد ذي طابع عرقي، في ظل ظروف أمنية واقتصادية معقدة تشهدها المنطقة.
اتهامات متبادلة
واتهمت باكستان الهند بدعم منظمة تحرير بلوشستان، معتبرة أن نيودلهي تقدم دعمًا مباشرًا للجماعة المتمردة التي تنشط في الإقليم، وهو ما تنفيه العاصمة الهندية دلهي مرارًا وتكرارًا في تصريحات رسمية سابقة.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق توتر قائم بين البلدين، إذ سبق أن تبادلت باكستان والهند الاتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة تعمل داخل أراضي كل منهما، دون التوصل إلى آليات واضحة لاحتواء هذه الخلافات.
نطاق الهجمات
أعلن الجيش الباكستاني أن عددًا من الهجمات استهدف المدنيين في محيط عاصمة الإقليم كويتا، شملت استخدام قنابل يدوية وأسلحة نارية في 12 مدينة وبلدة في أنحاء المقاطعة، استهدفت مراكز للشرطة وقوات شبه عسكرية، إلى جانب السجون والمباني الحكومية.
وأُفيد بإغلاق بعض المباني الإدارية الرئيسية في كويتا والطرق المجاورة خلال ساعات النهار، كما تعطلت خدمات الهاتف المحمول، وتوقفت خدمات القطارات الإقليمية نتيجة التطورات الأمنية.
ردود رسمية
لاحقًا، أشاد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالجيش وقوات الأمن، متعهدًا بمواصلة ما وصفه بالحرب ضد الإرهاب حتى القضاء عليه تمامًا، وذلك في تصريحات رسمية أعقبت الهجمات.
وتؤكد السلطات الباكستانية أن العمليات التي تنفذها قوات الأمن تستهدف المسلحين فقط، وتأتي في إطار جهود حماية الأمن والاستقرار في البلاد.
تتهم منظمة "تحرير بلوشستان" الحكومة الفيدرالية باستغلال الموارد المعدنية الغنية في أكبر مقاطعة في باكستان، دون أن تعود هذه الموارد بأي فائدة ملموسة على السكان المحليين في الإقليم.
أهمية الإقليم
تعد بلوشستان أيضًا أغنى مقاطعة باكستانية من حيث الموارد الطبيعية، بما في ذلك احتياطيات كبيرة من الغاز والمعادن، ما يمنحها أهمية اقتصادية وإستراتيجية بالغة.
وتغطي مقاطعة بلوشستان الباكستانية ما يقرب من 44% من إجمالي مساحة البلاد، وتتشارك حدودًا مضطربة مع إيران وأفغانستان، وتمتد على جزء من ساحل بحر العرب، ويقطنها نحو 5% من سكان باكستان الذين يزيد عددهم على 240 مليون نسمة.
ويستمد الإقليم اسمه من قبيلة البلوش، وهي أكبر مجموعة عرقية فيه، وبدأت المقاومة المسلحة ضد الحكومة الباكستانية والتمرد المطالب بدولة مستقلة لشعب البلوش عام 1948.
وجاءت بداية هذا التمرد عقب استقلال باكستان عن الإمبراطورية البريطانية في الهند، ولا يزال يشكل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الدولة الباكستانية حتى اليوم.