تستعد الكرة الأرضية لتحول سكاني جذري سيؤدي إلى قلب الموازين رأسًا على عقب، التي أبرزها سير الصين نحو ما يوصف بأكبر انخفاض سكاني في التاريخ، إضافةً إلى مواجهة القوى التقليدية في شرق آسيا وأوروبا تحديات الانهيار الديموغرافي والشيخوخة، ما يجعل من إفريقيا محركًا اقتصاديًا جديدًا للعالم، يضعها في مواجهة أزمات إنسانية كبرى تحدد معالم القرن المقبل.
انكماش القوى التقليدية
وتشير التوقعات السكانية العالمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأمريكي إلى انكماش سكان آسيا بنسبة 9% وأوروبا بنسبة 16% نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة والشيخوخة الطويلة الأمد.
وستؤدي هذه الشيخوخة إلى تقييد القوة العسكرية لهذه الدول، وإبطاء إنتاجها الاقتصادي، وتكثيف المنافسة العالمية على جذب المهاجرين والمواهب، حتى مع الاعتماد المتزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
وحسب مكتب الإحصاء الأمريكي، تسير الصين نحو ما يوصف بأكبر انخفاض سكاني في التاريخ المسجل، إذ سينكمش عدد سكانها من 1.4 مليار نسمة إلى 662 مليون نسمة فقط.
كما تواجه دول أخرى مثل روسيا واليابان وكوريا الجنوبية وأوكرانيا وإيطاليا وإسبانيا انهيارًا ديموغرافيًا هيكليًا، مما سيعيد تشكيل أسواق العمل والسياسة الدولية بشكل جذري، ويفرض تغييرًا في قوانين الهجرة العالمية.
أما في الأمريكتين، فمن المتوقع أن تنكمش أمريكا الجنوبية بنسبة 12%، بينما ستحقق أمريكا الشمالية نموًا طفيفًا بنسبة 4%، وسيرتفع عدد سكان الولايات المتحدة ليصل إلى 370 مليون نسمة مقارنة بـ 343 مليون نسمة حاليًا.
ويشير مكتب الإحصاء إلى أن هذا النمو في الولايات المتحدة سيكون مدفوعًا بشكل أساسي بالهجرة المتوقعة، وليس بزيادة المواليد.
صعود القارة السمراء
ويتوقع مكتب الإحصاء الأمريكي أن تتحول إفريقيا لتصبح مركز الثقل الديموغرافي العالمي، حيث من المتوقع أن يتضاعف عدد سكانها أكثر من مرتين في الفترة ما بين عامي 2030 و2100، بنسبة نمو تصل إلى 155% وفقًا لقاعدة البيانات الدولية لمكتب الإحصاء.
وذكر موقع "أكسيوس" الأمريكي أن القوى العاملة المستقبلية والمستهلكين والمراكز الحضرية الكبرى ستتركز في هذه القارة المزدهرة، مما يعزز من مكانتها الدينية والثقافية والتجارية.
ومن المنتظر أن تبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية كدولة عملاقة بزيادة سكانية هي الأكبر عالميًا، حيث سيقفز عدد سكانها من 139 مليون نسمة في 2030 إلى 584 مليون نسمة بحلول القرن المقبل.
كما ستشهد نيجيريا زيادة قدرها 283 مليون نسمة، وتلحق بها دول مثل تنزانيا وإثيوبيا وأوغندا وأنجولا والنيجر بزيادات تقدر بـ 100 مليون نسمة لكل منها، مما يحول مدنًا مثل لاجوس وكينشاسا ودار السلام إلى مراكز عالمية للابتكار.
يتوقف نجاح هذا الزخم الديموغرافي على قدرة هذه الدول السريعة النمو، وخاصة نيجيريا وإثيوبيا والكونغو، على ترجمة تلك الأرقام إلى استقرار سياسي وتطوير للبنية التحتية وقوة اقتصادية مستدامة.
وفي حال الإخفاق، قد تتحول هذه التجمعات البشرية الهائلة إلى بؤر للاضطرابات الإنسانية التي قد تشعل صراعات عالمية واسعة النطاق.
استقرار الهند النسبي
تظل الهند الاستثناء الوحيد بين الدول الثلاث الكبرى سكانيًا، حيث من المتوقع أن تحتفظ بمكانتها في المرتبة الأولى بـ1.5 مليار نسمة بحلول عام 2100، ورغم التوقعات بتباطؤ معدلات نموها، إلا أنها الدولة الوحيدة ضمن العمالقة الديموغرافيين التي لا يتوقع مكتب الإحصاء الأمريكي أن تشهد انخفاضًا سكانيًا خلال هذا القرن.
ومع ذلك، تظل هذه التوقعات رهن المتغيرات الكبرى التي قد تطرأ خلال الخمسة والسبعين عامًا القادمة؛ إذ إن وقوع حروب عالمية غير متوقعة، أو حدوث كوارث مناخية، أو انهيارات اقتصادية، أو تحولات دينية مفاجئة، كلها عوامل قادرة على تغيير المسارات السكانية الحالية ونسف التقديرات الإحصائية المعاصرة.