تشهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة سياسية حادة بعد مقتل مواطن أمريكي ثانٍ برصاص عناصر فيدراليين خلال حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية، إذ إن الحادثة التي وقعت في مدينة مينيابوليس أشعلت جدلًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري نفسه، وفتحت الباب أمام انتقادات لاذعة من حلفاء الرئيس التقليديين، في تطور قد يهدد أولوياته الأمنية ويعرقل إقرار الميزانية الفيدرالية.
تصدع الجبهة الجمهورية
كشفت صحيفة "ذا هيل" الأمريكية أن الحادثة، التي أودت بحياة أليكس بريتي، ممرض العناية المركزة البالغ 37 عامًا، شكّلت نقطة تحول في موقف الجمهوريين الذين دافعوا بقوة عن سياسات ترامب الأمنية طوال العام الماضي. فبعد أن صوّت الكونجرس على تخصيص عشرات المليارات من الدولارات لدعم عمليات الترحيل، بدأت أصوات معارضة تتعالى من داخل الحزب تطالب بالمحاسبة والشفافية.
أعرب النائب مايكل ماكول من ولاية تكساس، الذي ترأس سابقًا لجنة الأمن الداخلي، عن قلقه البالغ من الحادثة، بينما ذهب رئيس لجنة الرقابة جيمس كومر إلى أبعد من ذلك بمطالبته سحب عناصر هيئة الهجرة والجمارك من مينيابوليس.
أما أندرو جارباريتو، رئيس لجنة الأمن الداخلي الحالي، فقد استدعى على الفور كبار مسؤولي الهجرة والجمارك وحرس الحدود للمثول أمام الكونجرس، مؤكدًا مسؤولية المشرعين في ضمان سلامة المواطنين.
الانتقادات امتدت إلى مجلس الشيوخ، إذ انضم السيناتور راند بول، رئيس لجنة الأمن الداخلي، إلى الأصوات المطالبة بالتحقيق، وحدد جلسة استماع في 12 فبراير لمساءلة المسؤولين.
وبشكل لافت، لم تقتصر الانتقادات على المعتدلين المعروفين بمعارضتهم لترامب، مثل ليزا موركوسكي وسوزان كولينز، بل شملت محافظين بارزين مثل ديف ماكورميك من ولاية بنسلفانيا وبيت ريكيتس من ولاية نبراسكا، في إشارة واضحة إلى اتساع دائرة القلق داخل الحزب.
جدل دستوري
أضافت الحادثة بُعدًا دستوريًا معقدًا للأزمة، إذ كشفت التحقيقات أن بريتي كان يحمل سلاحًا ناريًا بشكل قانوني بموجب تصريح معتمد.
وقالت "ذا هيل" إن الجمعية الوطنية للأسلحة اتخذت موقفًا حاسمًا ضد الإدارة، مؤكدة أن حمل السلاح حق دستوري يحميه التعديل الثاني ولا يشكل بحد ذاته تهديدًا للعناصر الفيدرالية.
النائب توماس ماسي من كنتاكي كان صريحًا في انتقاده للتبريرات الحكومية، قائلًا عبر منصة إكس: "حمل السلاح الناري ليس حكمًا بالإعدام، إنه حق دستوري منحه الله، ومن لا يفهم ذلك ليس له مكان في إنفاذ القانون أو الحكومة".
وأيّده النائب تشيب روي من ولاية تكساس في تصريحات لشبكة فوكس نيوز، مؤكدًا أن التسلح في الأماكن العامة لا يبرر استخدام القوة المميتة.
هذا الموقف جاء ردًا على تصريحات بيل إيسايلي، المدعي العام المساعد الأول في كاليفورنيا، الذي دافع عن تصرف العناصر الفيدرالية بالقول إن "الاقتراب من رجال إنفاذ القانون بسلاح ناري يبرر إطلاق النار"، إلا أن هذا الرأي واجه رفضًا واسعًا من الجمهوريين الذين اعتبروه انتهاكًا صارخًا للحريات الدستورية.
تراجع البيت الأبيض
تحت وطأة الضغوط المتصاعدة، اضطرت إدارة ترامب إلى تعديل نهجها بشكل ملحوظ، إذ إن الرئيس، بحسب صحيفة "واشنطن بوست"، اتخذ قرارًا بإرسال توم هومان، مسؤول الحدود السابق المعروف بتركيزه على المجرمين الخطرين، للإشراف مباشرة على العمليات في مينيابوليس، في إشارة واضحة إلى استبعاد وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم من الواجهة الإعلامية.
كما تراجع ترامب نفسه عن لهجته المتشددة، وقال لصحيفة "وول ستريت جورنال": "أنا لا أحب أي إطلاق نار"، في تناقض واضح مع تصريحاته الأولية التي وصف فيها بريتي بـ"الرجل المسلح".
كما تبرّأ نائب المدعي العام تود بلانش من وصف نويم، ومستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر، للضحية بـ"الإرهابي المحلي"، مؤكدًا أن تصرفات بريتي لا ترقى لمستوى الإرهاب الداخلي.
المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت حاولت تهدئة الأجواء بالقول: "لا أحد في البيت الأبيض، بما في ذلك الرئيس ترامب، يريد رؤية أشخاص يُصابون أو يُقتلون في شوارع أمريكا"، مضيفة أن الرئيس يعتبر ما حدث "مأساة".
لكنها في الوقت ذاته ألقت المسؤولية على الولايات والمدن الديمقراطية التي ترفض التعاون مع السلطات الفيدرالية، محذرة من استمرار العنف ما لم يتم هذا التعاون.