لم تكن الدراما المصرية بعيدة عن الواقع وما يحيطه من تغيرات ومخاطر تكنولوجية ظهرت جلية في السنوات الأخيرة، وباتت تؤثر على الشباب بشكل مباشر وغير مباشر لتكون الدراما بمثابة جرس إنذار لتنبيه الأهالي لمواجهة تداعياتها السلبية.
وقدمت الأعمال الدرامية نماذج متنوعة لكيفية تأثير العالم الرقمي على الفرد والأسرة، وما يترتب على الاستخدام غير الواعي لهذه الوسائل من مخاطر، ففي مسلسل "لعبة وقلبت بجد" للفنان أحمد زاهر، يظهر الصراع النفسي داخل الأسرة نتيجة تعلق الأطفال المفرط بلعبة "روبلوكس"، ليكشف كيف يمكن للإدمان الرقمي أن يزعزع التوازن الأسري ويخلق توترات غير متوقعة.
بينما عرض مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة" للفنانة الشابة سلمى أبو ضيف، قصة شيماء وشقيقتها، اللتين تحاولان تحسين حياتهما عبر الشهرة على "تيك توك" ليبرز العمل المخاطر النفسية والاجتماعية وراء السعي المحموم للشهرة الرقمية.
أما مسلسل "صوت وصورة"، بطولة النجمة حنان مطاوع، فناقش تأثير الذكاء الاصطناعي على الحقيقة، حيث يمكن التلاعب بالصور والفيديوهات، ما يثير تساؤلات حول العدالة والوعي في عصر الرقمنة.
فيما قدم مسلسل "النهاية" للفنان يوسف الشريف، رؤية لما يمكن أن تؤول إليه حياتنا إذا سيطرت التكنولوجيا على كل جانب من جوانبها، من خلال أنظمة ذكية وإنسان آلي مستنسخ، ليطرح أسئلة عميقة عن فقدان السيطرة على ما نخلقه بأيدينا.
في هذا السياق، يؤكد الناقد المصري خالد محمود لموقع "القاهرة الإخبارية" أهمية مواكبة الدراما المصرية للتحولات والمتغيرات التي يشهدها المجتمع، وعلى رأسها التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي في حياة الأفراد، وقدرتها الكبيرة على تغيير السلوكيات وأنماط التفكير.
أضاف أن الدراما باتت مطالبة بتناول هذه الظواهر بوعي ومسؤولية، مشيرًا إلى أن مسلسل "صوت وصورة" نجح في تقديم مخاطر هذا العالم الرقمي بصورة مميزة، من خلال تسليطه الضوء على التلاعب بالحقيقة وتأثير التكنولوجيا في تشكيل الرأي العام.
ويوضح: "البداية الحقيقية لهذا الطرح كانت مع مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة"، الذي اقترب بشكل واضح من واقع الشباب، وهم الفئة الأكثر استخدامًا لوسائل التواصل الاجتماعي وتفاعلًا مع التكنولوجيا الحديثة".
وأكد أن من أبرز نقاط قوة هذه الأعمال اختيار أبطال ينتمون عمريًا واجتماعيًا إلى الفئة الأكثر انغماسًا في هذا العالم، ما جعل الطرح أكثر مصداقية وتأثيرًا، مشيرا إلى أن العمل كشف أيضا عن مدى جاذبية الشهرة الرقمية، خصوصًا لدى الطبقات الفقيرة التي ترى في وسائل التواصل الاجتماعي طريقا سريعًا نحو النجاح والانتشار، حتى وإن كان نجاحا زائفا ومبنيا على الوهم.
ويختتم الناقد المصري حديثه بالتأكيد على أن الدراما المصرية نجحت في طرح العديد من التساؤلات المهمة حول هذا العالم الافتراضي، وساهمت في فتح أعين الجمهور على ما يدور خلف شاشات الهواتف، إلا أنه شدّد في الوقت ذاته على ضرورة التعامل مع هذه القضايا بعمق أكبر، مع الحفاظ على عنصر المتعة الفنية، لأن نجاح هذا النوع من الدراما يتطلب تحقيق التوازن بين التوعية والإمتاع، خصوصًا أن هذه الظواهر باتت تشكّل خطرًا حقيقيًا يستوجب طرحًا أكثر عمقًا وفائدة للمجتمع.
فيما تشير الناقدة المصرية ماجدة موريس لموقع "القاهرة الإخبارية"، إلى أهمية مناقشة ظاهرة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا أنها باتت تشغل اهتمام عدد متزايد من الناس في المجتمع.
وتشير إلى أن متابعتها لما يطرح على منصات السوشيال ميديا كشفت أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة بعينها، بل أصبحت تمس مختلف الطبقات الاجتماعية والأعمار، من الشباب إلى الكبار، بل وحتى النجوم والمشاهير.
وتوضح أن هذا العالم الرقمي أصبح عنصرا مؤثرا في حياة الكثيرين، وترك بصمته الواضحة على اختياراتهم وسلوكياتهم اليومية، ما جعله قضية تشغل بال قطاع واسع من المجتمع وتؤثر بشكل مباشر في مسار حياتهم.
وترى أن من الطبيعي، بل من الضروري، أن تهتم الدراما بكل ما يمس المجتمع ويؤثر فيه، لأن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ظاهرة خطيرة لا يمكن تجاهلها.
وتضيف:" سوء استخدام هذه الوسائل أصبح يمثل مشكلة حقيقية تهدد تماسك الأسرة والمجتمع، الأمر الذي يستدعي رفع مستوى الوعي بخطورتها وآثارها السلبية".
وتؤكد أن هذا الدور لا يقتصر على الدراما فقط، بل يجب أن تشارك فيه مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، عبر طرح جاد ومسؤول يهدف إلى توعية الناس بكيفية التعامل الصحيح مع هذه الظاهرة، خاصة في ظل تضاعف تأثيرها واتساع رقعة تأثيرها بشكل غير مسبوق.