يبني المستشار الألماني فريدريش ميرز شراكة إستراتيجية قوية مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في خطوة تمثل تحولًا جذريًا عن المحور الفرنسي الألماني التقليدي الذي قاد أوروبا لعقود.
وفي هذا الصدد، تستضيف روما قمة رفيعة المستوى، تجمع ميرز وميلوني لترسيخ تحالفهما المتنامي، وفقًا لـ"بوليتيكو".
تضم القمة 21 وزيرًا من البلدين لتوقيع نحو 10 اتفاقيات، أبرزها اتفاقيات تعاون دفاعي، حسب مصادر دبلوماسية، كما يجمع الزعيمين توجُّه يميني أطلسي ورغبة مشتركة في تهدئة التوترات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب إحباطهما المتزايد من تعامل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الملفات الأوروبية الحساسة.
روما أكثر موثوقية
يكشف مسؤولون ألمان كبار لـ"بوليتيكو"، عن حماسهم للتعاون مع ميلوني، واصفين العلاقة مع روما بأنها "موثوقة"، وهي صفة نادرًا ما استخدمتها برلين لوصف باريس، كما يؤكد النائب الألماني أكسل شيفر، أن فرنسا قد تكون أكثر حضورًا إعلاميًا، لكن إيطاليا تتفوق عمليًا.
هذا التحول له أسباب جوهرية، إذ تشعر برلين بالانزعاج من محاولات باريس تقويض اتفاقية "ميركوسور" التجارية مع دول أمريكا الجنوبية، التي طالما سعت إليها ألمانيا لتعزيز صادراتها الصناعية.
كما تفكر الحكومة الألمانية في الانسحاب من برنامج مشترك بقيمة 100 مليار يورو لتصنيع طائرات مقاتلة؛ بسبب خلافات متصاعدة مع فرنسا.
أجندة مشتركة
تعمل البلدان على صياغة خطة لإنعاش الصناعة الأوروبية وتوسيع الصادرات، في وثيقة موقف مشتركة لقمة المجلس الأوروبي في 12 فبراير، كما تصف برلين وروما نفسيهما بـ"الدولتين الصناعيتين الأوروبيتين الرئيسيتين"، وتنتقدان التأخير في اتفاقية ميركوسور، في عبارات تثير استياء باريس.
دفاعيًا، تملك "راينميتال" الألمانية و"ليوناردو" الإيطالية مشروعًا مشتركًا لبناء الدبابات والمركبات العسكرية، ما يوفر قاعدة لتوسيع التعاون العسكري.
ترامب والعامل الأطلسي
يشكِّل الحفاظ على العلاقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولوية حاسمة للزعيمين، إذ سعى كل من ميرز وميلوني لتجنب الصدامات عبر الأطلسي، بدعم من وزيري خارجيتهما يوهان فاديفول وأنطونيو تاياني.
يؤكد السفير الإيطالي السابق، بيترو بيناسي، أن ميلوني وميرز يمثلان الجناح الأوروبي الأكثر انفتاحًا على الحوار مع ترامب، مشيرًا إلى أن التسارع الذي يقوده الرئيس الأمريكي يؤكد التقارب بين إيطاليا وألمانيا بدلًا من التحالفات التقليدية.
في المقابل، ينتقد النائب جيانجياكومو كالوفيني، من حزب "إخوة إيطاليا"، رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الإيطالية الألمانية، سلوك ماكرون الذي وصفه بـ"المتناقض" تجاه ترامب، قائلًا إنه "يتصرف وكأنه يريد تحدي واشنطن، ثم يرسل رسائل يتوسل فيها لترامب لتناول العشاء، وهي رسائل نشرها ترامب بطريقة غير لبقة".
استقرار حكومي
يرى كالوفيني أن التحالف منطقي، خاصةً مع اقتراب رحيل ماكرون بعد الانتخابات الفرنسية المقبلة، كما يشير إلى أن البلدين تتمتعان بحكومات مستقرة مقارنة بفرنسا، ما يعني أن ميلوني وميرز أماهما مسار طويل.
خلال زيارته الافتتاحية لروما كمستشار، وصف ميرز الوضع بـ"اتفاق كامل تقريبًا على جميع القضايا الأوروبية"، وردَّت ميلوني بأن "التشكيك في العلاقات بين إيطاليا وألمانيا أمر مستحيل"، كما يشيد مسؤول إيطالي بـ"الكيمياء الجيدة" بين الزعيمين، في تباين واضح مع العلاقات المتوترة بين ميلوني وماكرون.
تقارب المصالح
رغم التقارب، توجد خلافات جوهرية، إذ رفضت ميلوني دعم خطة ميرز لاستخدام الأصول الروسية المُجمَّدة لتمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا، كما حجبت دعمها مؤقتًا لاتفاقية ميركوسور لانتزاع تنازلات للمزارعين الإيطاليين قبل دعمها في النهاية.
الأهم أن التعاون بين البلدين يواجه تحديًا كبيرًا في ملف الإنفاق الحكومي والسياسة المالية، إذ إنه تاريخيًا، كانت إيطاليا تطالب بزيادة الإنفاق الحكومي والاقتراض بحرية أكبر، وهو ما جعلها متحالفة مع فرنسا ضد موقف ألمانيا المتشدد، الذي يرفض التوسع في الديون ويفرض الانضباط المالي الصارم على دول الاتحاد.
لكن الوضع بدأ يتغير، حيث عملت ميلوني على تقليص الإنفاق الإيطالي والالتزام بضوابط الميزانية، بينما غيّر ميرز سياسة ألمانيا التقليدية وسمح بزيادة غير مسبوقة في الاقتراض الحكومي لتمويل مشاريع البنية التحتية والدفاع، ما خلق أرضية مشتركة بين البلدين.