أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتجددة بضم جرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي، قلقًا متزايدًا داخل حلف شمال الأطلسي، وسط تحذيرات أوروبية من أن أي تحرك عسكري أمريكي قد يؤدي إلى انهيار الحلف وتقويض أسس الأمن الجماعي التي يقوم عليها منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب "بوليتيكو".
وحذّرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن من أن أي عمل عسكري ضد جرينلاند سيشكّل خرقًا صريحًا للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الدفاع المشترك، مؤكدة أن ذلك سيقوّض الثقة بين أعضاء الحلف وينهي فعليًا منظومته الأمنية.
تصعيد أمريكي وتبريرات استراتيجية
وصعّد ترامب في الأسابيع الأخيرة من خطابه بشأن السيطرة على جرينلاند، مبررًا ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وردع الخصوم في القطب الشمالي، ولم يستبعد خيارات تشمل الشراء أو حتى التدخل العسكري، رغم الوجود الأمريكي القائم في الجزيرة عبر قاعدة بيتوفيك الفضائية.
وفيما ألمح مسؤولون في البيت الأبيض، من بينهم نائب رئيس الأركان ستيفن ميلر، إلى أن استخدام القوة ليس مستبعدًا، شدّد وزير الخارجية ماركو روبيو على تفضيل المسار الدبلوماسي، في محاولة لاحتواء تداعيات التصريحات المتصاعدة.
رفض أوروبي وتحركات دفاعية محتملة
وأدانت الدنمارك وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي هذه التهديدات، معتبرين أنها تمثل سابقة خطيرة داخل التحالف الغربي، وقالت فريدريكسن إن أي اعتداء أمريكي على جرينلاند سيقوّض الإطار الأمني الذي أسسه الناتو بعد الحرب العالمية الثانية.
وتبحث دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إمكانية تعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي، في خطوة تهدف إلى ردع أي تصعيد محتمل وضمان احترام سيادة جرينلاند.
تشكيك في مزاعم الوجود الروسي والصيني
ورفض دبلوماسيون من دول الشمال الأوروبي مزاعم ترامب بوجود سفن وغواصات روسية وصينية قرب جرينلاند، التي استخدمها لتبرير دعوته إلى ضم الجزيرة، بحسب "فاينانشال تايمز".
وقال دبلوماسيان مطلعان على تقارير استخباراتية للناتو إنه لا توجد أي مؤشرات على نشاط عسكري روسي أو صيني مكثّف في محيط جرينلاند خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أحد الدبلوماسيين أن الحديث عن وجود صيني أو روسي واسع النطاق "غير صحيح ببساطة"، فيما أوضح آخر أن النشاط الروسي يتركّز في مناطق أخرى من القطب الشمالي، وتحديدًا بالقرب من السواحل الروسية.
كما نفى وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي وجود نشاط مكثف لموسكو أو بكين حول جرينلاند، مشيرًا إلى أن أي تحركات عسكرية في القطب الشمالي تتركز بعيدًا عن الجزيرة.
تداعيات خطيرة على الناتو وأوكرانيا
ويحذّر خبراء من أن نشوب نزاع داخل الناتو سيؤدي إلى زعزعة الثقة بين أعضائه، وقد يجعل المادة الخامسة من ميثاق الحلف بلا معنى في حال وقوع اعتداء من داخل التحالف نفسه، كما قد يؤدي إلى تعليق أو إضعاف الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
وتكشف الأزمة أيضًا عن مدى اعتماد أوروبا على القدرات الأمريكية، خصوصًا في مجالي الاستخبارات والقوة الجوية، في وقت يفتقر فيه الناتو إلى آليات واضحة للتعامل مع نزاعات بين أعضائه.
جرينلاند ليست للبيع
ورغم الانفتاح الدنماركي على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة في القطب الشمالي، لا سيما في تأمين ممر جرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة الاستراتيجي، شددت السلطات المحلية على أن الجزيرة ليست مطروحة للبيع.
وفي بيان مشترك، أكد قادة الأحزاب الخمسة في برلمان جرينلاند: "لا نريد أن نكون أمريكيين، ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون جرينلانديين"، في تأكيد واضح على رفض أي مساس بسيادة الجزيرة ومستقبلها السياسي.