في هزيمة سياسية قاسية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عجزت فرنسا، اليوم الجمعة، عن منع الاتحاد الأوروبي من إبرام اتفاقية تجارية تاريخية مع دول تكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية، ما يمنح أحزاب المعارضة الفرنسية فرصة ذهبية لمهاجمة ماكرون طوال الفترة المتبقية من ولايته الرئاسية، في قضية نادرة توحِّد السياسيين الفرنسيين من مختلف الأطياف ضد الرئيس المُحاصَر سياسيًا، بحسب صحيفة بوليتيكو.
إجماع سياسي نادر
تُشكِّل معارضة اتفاقية ميركوسور التجارية نقطة اتفاق استثنائية بين السياسيين الفرنسيين عبر الطيف السياسي بأكمله، إذ يتمحور القلق الأساسي حول ضعف المزارعين الفرنسيين أمام الصادرات الزراعية القادمة من أمريكا الجنوبية، وبات الجميع الآن يبحثون عن شخص لتحميله مسؤولية هذا الفشل.
اتهم جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني اليميني والمرشح الأوفر حظًا للرئاسة عام 2027، ماكرون بالنفاق والتظاهر بمعارضة الاتفاق بينما "يخون المزارعين الفرنسيين" بعدم بذل جهود كافية لإيقافه.
وأعلن بارديلا تقديم اقتراح بسحب الثقة من الحكومة، كما أشارت بوليتيكو.
ومن جهة اليسار المتشدد، قدَّم حزب "فرنسا الأبية" اقتراحًا مماثلًا بسحب الثقة، صباح الجمعة، إذ قالت القيادية ماتيلد بانو، إن فرنسا تعرضت "للإذلال" في بروكسل.
ورغم أن المحاولات لإسقاط الحكومة لن تنجح على الأرجح، فإن المناقشات البرلمانية المقبلة حول الاتفاقية التجارية ستذكِّر الرأي العام الفرنسي مرارًا بأن ماكرون عجز عن الوقوف بحزم أمام بروكسل، وفقًا لما ذكرته بوليتيكو.
أما القوى السياسية الأكثر اعتدالًا، فقد دعت السلطات الفرنسية إلى بذل المزيد من الجهود خلال الأيام المقبلة لوقف الاتفاق بدلًا من إسقاط الحكومة.
وطالب قادة من حزب الجمهوريين المحافظ والحزب الاشتراكي، رغم اختلافهما الأيديولوجي، حكومة ماكرون بنقل المعركة ضد الاتفاق التجاري إلى محكمة العدل الأوروبية.
وقال برونو ريتايو، زعيم حزب الجمهوريين ومرشح رئاسي محتمل آخر عام 2027، يوم الخميس: "لقد تنازلنا وتخلينا عن سيادتنا الغذائية".
تراجع النفوذ الفرنسي
يعكس عجز الرئيس الفرنسي، المؤيد للاتحاد الأوروبي، عن وقف الاتفاقية، تراجعًا لقوة باريس داخل الاتحاد، إذ كانت فرنسا معروفة منذ زمن طويل باستثنائيتها وقدرتها على استخدام حق النقض، وفق لما تشير بوليتيكو، ما يكشف بوضوح كيف تتضاءل مكانة فرنسا الأوروبية التقليدية في عصر السياسات الجماعية للاتحاد.
وترجم هذا الإحباط إلى احتجاجات غاضبة، حيث نزل المزارعون الفرنسيون إلى شوارع باريس، يوم الخميس، وأوقفوا جراراتهم أمام قوس النصر والجمعية الوطنية، في مشاهد درامية عكست حجم السخط الشعبي.
وواجه المتظاهرون كلًا من رئيسة الجمعية الوطنية ياييل براون بيفيه، ووزيرة الزراعة آني جينيفارد، بينما رفع أحدهم لافتة ساخرة تقول إن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين "تعتبرنا حمقى"، وفقًا لبوليتيكو.
ووقف النائب فريديريك بيير فوس، من حزب التجمع الوطني، الذي يمثل منطقة ريفية في شمال فرنسا، إلى جانب المحتجين، منتقدًا اتفاقية ميركوسور باعتبارها "تضحية بالزراعة الفرنسية لإنقاذ صناعة السيارات الألمانية".
مستقبل سياسي مهدد
مع الرفض الشعبي الواسع للاتفاقية داخل فرنسا، وجد ماكرون نفسه في موقف محرج للغاية، مُضطَرًا لمعارضة الاتفاق علنًا مع محاولة الدفاع في الوقت نفسه عن التنازلات التي حصل عليها من بروكسل.
وكتب الرئيس الفرنسي على منصة إكس، يوم الخميس، أنه يناضل من أجل "السيادة الزراعية"، مشيدًا بتعهدات المفوضية الأوروبية بزيادة ميزانية السياسة الزراعية المشتركة في موازنة الاتحاد الأوروبي المقبلة.
كما أشار مسؤول في قصر الإليزيه، يوم الخميس، إلى أن "عددًا من التقدُّمات" قد تحققت بشأن الاتفاق التجاري، بما في ذلك بنود من شأنها حماية المزارعين والمستهلكين الأوروبيين من التدفق المفاجئ للسلع من أمريكا اللاتينية، وفق ما نقلته بوليتيكو.
وحاول الرئيس الفرنسي أيضًا اتخاذ نبرة متحدية، قائلًا في بيانه على الإنترنت، إن "توقيع الاتفاقية ليس نهاية القصة"، إلا أنه بالنسبة لماكرون، فإن لسعة هذه الهزيمة السياسية ستُلازمه على الأرجح طوال الفترة المتبقية من رئاسته.