وتيرة سريعة وتصاعد غير مسبوق تلك التي تنتقل بها الأفلام من دور العرض السينمائية إلى المنصات الرقمية، فبعد أن كان الأمر يتطلب شهورًا عدة أصبح لا يتجاوز ما هو أقل من ذلك ليحقق هذا الهدف.
وحتى إن كان العمل يواصل نجاحه وتحقيقه لإيرادات ضخمة داخل دور العرض، فلم يعد انتظار انتهاء العمر الافتراضي للفيلم في السينما شرطًا لعرضه رقميًا، ففي الآونة الأخيرة اتجه عدد من المنتجين والمنصات إلى طرح الأعمال فور رفعها من الشاشات، أو حتى بالتزامن مع استمرار عرضها التجاري، في مشهد مختلف عن الأعوام السابقة.
أفلام على المنصات
في عام 2025 المنقضي عُرِض ما لا يقل عن 12 فيلمًا جديدًا على المنصات الرقمية، رغم تحقيق بعضها أرقامًا قياسية في شباك التذاكر، من بينها فيلم "سيكو سيكو" الذي حصد نحو 186 مليون جنيه ليحتل المركز الثاني في تاريخ السينما المصرية، قبل أن يُعرَض رقميًا بالتزامن مع وجوده في السينمات، وأيضًا فيلم "السادة الأفاضل" بطولة بيومي فؤاد ومحمد ممدوح، الذي حقق 80 مليونًا، وكذلك فيلم "المشروع X" لكريم عبدالعزيز، الذي تجاوزت إيراداته 141 مليون جنيه بعد 20 أسبوع عرض.
الأمر نفسه تكرر مع أفلام مثل "ريستارت" لتامر حسني بإيرادات تخطت 90 مليون جنيه، و"الشاطر" لأمير كرارة الذي تجاوز 115 مليون جنيه.
ولم تقتصر الظاهرة على أفلام الأكشن أو النجوم الكبار فقط، بل شملت أعمالًا متنوعة جماهيريًا وفنيًا، مثل "6 أيام" الذي حقق أكثر من 28 مليون جنيه، و"الدشاش" لمحمد سعد الذي تجاوزت إيراداته 73 مليون جنيه، إلى جانب أفلام أخرى مثل "درويش"، و"روكي الغلابة"، و"فيها إيه يعني؟!" الذي اقترب من 90 مليون جنيه قبل عرضه حصريًا على إحدى المنصات.
كما شهدت المنصات إقبالًا على أفلام ذات طابع فني مثل "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو" و"هيبتا 2" واللذين حققا نجاحًا لافتًا بعد انتقالهما إلى المشاهدة الرقمية.
هذا التسارع في عرض الأفلام على المنصات فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت السينما تشهد مرحلة حرق ممنهجة للأعمال الجديدة، مقابل سهولة مشاهدة الفيلم من المنزل خلال أسابيع قليلة.
وبين مخاوف من تراجع الإقبال على دور العرض، ورؤى أخرى تعتبر المنصات مصدر دخل مضمونًا للمنتجين، فهل هذا التحول في خريطة توزيع الأفلام، قد يعيد رسم علاقة الجمهور بالسينما في السنوات المقبلة؟
بند في التعاقد
يرى الناقد السينمائي عصام زكريا أن العرض المبكر للأفلام على المنصات الرقمية غالبًا ما يكون بندًا أساسيًا في التعاقدات، إذ يكون لدى صُناع العمل تصور مسبق أن العمر السينمائي للفيلم لن يتجاوز شهراً أو شهرًا ونصف الشهر، يعقبه مباشرةً طرحه رقميًا.
ويؤكد أن المنصات تحرص دائمًا على الحصول على المحتوى في أسرع وقت ممكن، باعتباره مادة جذب رئيسية للمشتركين، بينما يهدف المنتجون في المقابل إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب من أكثر من نافذة عرض.
ويضيف "زكريا" أن بعض النجاحات لم تكن متوقعة، مثل فيلم "سيكو سيكو" الذي استمر لفترة أطول من المخطط لها في دور العرض، وهو ما لم يكن في الحسبان عند إبرام الاتفاقات الخاصة بعرضه على المنصات، ويشير إلى أن السوق المصرية لا تمتلك حتى الآن قاعدة جماهيرية ضخمة للمشاهدة الرقمية ولا تشكل تهديدًا مباشرًا لعروض السينما.
لكن الخطر الحقيقي، بحسب زكريا، يكمن في إتاحة النسخ المقرصنة فور عرض الفيلم على المنصة، إذ يصبح من السهل تداوله عبر الإنترنت أو أجهزة الاستقبال، وهو ما يحدث على نطاق واسع، ورغم ذلك، فإن المنتج يكون ضمن أرباحه بالفعل، بينما تستمر بعض الأفلام في العرض داخل سينمات أصغر، يرتادها جمهور لا يهتم كثيرًا بعنوان الفيلم بقدر اهتمامه بتجربة الذهاب إلى السينما نفسها.
لاعب مؤثر
يؤكد الناقد طارق الشناوي أن المنصات الرقمية باتت لاعبًا مؤثرًا في صناعة السينما، ليس فقط على مستوى طرق العرض، ولكن أيضًا في شكل ومضمون الإنتاج نفسه، ومن المتوقع أن تسهم خلال المرحلة المقبلة في فتح مساحات أوسع للتجريب والتنوع، خاصة أمام الأفلام التي تعتمد على بطولات شبابية ولا تحقق حضورًا قويًا في شباك التذاكر، كما تمنح هذه المنصات فرصة ثانية للأعمال السينمائية للوصول إلى جمهور أوسع بعد انتهاء عرضها داخل دور السينما.
ويري الناقد المصري أن المنصات رغم توسعها وانتشارها، لا يمكن أن تحل محل السينما التقليدية، إذ تظل مشاهدة الفيلم داخل قاعة العرض تجربة مختلفة ومتكاملة، ترتبط بأجواء خاصة يصعب تعويضها داخل المنزل، مهما تطورت وسائل المشاهدة الرقمية.
ويشير إلى أن العرض الرقمي يمنح الفيلم عمرًا أطول لدى الجمهور، مقارنة بمدة عرضه المحدودة في السينمات، والتي لا تتجاوز في المتوسط شهرين، لكنه يشدد على ضرورة حصول العمل على فرصته الكاملة داخل دور العرض أولا، محذرًا من طرحه على المنصات بالتزامن مع عرضه السينمائي لما لذلك من تأثير مباشر على الإيرادات.
كما يرى أن العرض الحصري للفيلم على منصة رقمية عقب انتهاء عرضه السينمائي مباشرة يمثل مكسبًا ترويجيًا مهمًا للمنصة المالكة للحقوق، إذ يعزز من حضورها التنافسي في السوق، ويمنحها محتوى جذابًا قادرًا على استقطاب المشتركين.