الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تايلاند وكمبوديا.. نزاع من أجل الثقافة والدين يهدد الأمن الإقليمي

  • مشاركة :
post-title
تايلاند وكمبوديا

القاهرة الإخبارية - محمد حافظ

في السابع والعشرين من ديسمبر، عند نقطة تفتيش حدودية بين مقاطعة بايلين الكمبودية ومقاطعة تشانثابوري التايلاندية، وعقب مناقشات تمهيدية في لجنة حدودية مشتركة، اتفقت تايلاند وكمبوديا على وقف الاشتباكات الحدودية العنيفة التي استمرت لأسابيع. فقد وقّع وزيرا دفاع البلدين، عقب عشرين يومًا من القتال الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 101 شخص، وتشريد أكثر من نصف مليون شخص من كلا الجانبين، اتفاق وقف الاشتباكات.

وفي هذا النطاق، يمكن القول إن هذه الاشتباكات تُعد أسوأ جولة قتال بين البلدين الواقعين في جنوب شرق آسيا منذ سنوات، إذ تضمنت طلعات جوية لطائرات مقاتلة، وتبادل إطلاق صواريخ، وقصفًا مدفعيًا.

وقد تجددت الاشتباكات في أوائل ديسمبر 2025، بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي أسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التوسط فيه، لوقف جولة سابقة من الصراع الذي يتجدد بين فترة وأخرى بين بانكوك وبنوم بنه. ويرجع هذا النزاع في أصله إلى خلاف حدودي قديم يعود إلى فترة الاحتلال الفرنسي عام 1907، ولم يُحسم حتى الوقت الراهن، ما يثير حزمة من التساؤلات حول أصل الصراع وأسبابه وانعكاساته على المنطقة والأقاليم.

تاريخ النزاع

ترجع جذور الصراع بين الدولتين إلى نزاع قديم نشأ عام 1907، حين قامت فرنسا، بصفتها القوة الاستعمارية المسيطرة على كمبوديا آنذاك، برسم الحدود مع تايلاند. ويتجدد الصراع الحدودي بين كمبوديا وتايلاند بين الحين والآخر للأسباب التالية:

(-) التنافس الثقافي: يتمثل هذا التنافس في المعابد الواقعة على الحدود بين البلدين، حيث اشتعلت التوترات مع اتهام الكمبوديين للتايلانديين بالاستيلاء الثقافي، مدّعين أن جوانب رئيسية من الثقافة التايلاندية تنبع من التقاليد الخميرية، بما في ذلك كثير من الفنون والعمارة التايلاندية، فضلًا عن فنون القتال "المواي تاي"، التي يُقال إنها انشقت عن نظيرها الكمبودي "كون خمير".

في المقابل، يرد التايلانديون بأن أي تبادلات ثقافية من هذا القبيل حدثت منذ قرون، وأن الفتوحات التاريخية لتايلاند تبرر مطالباتها ببعض المناطق الحدودية. وقد ادعى كل من الطرفين ملكية المعابد القديمة والأراضي المحيطة بها، وبشكل خاص معبدي "برياه فيهير" و"تاموين ثوم". ويُعد معبد "برياه فيهير" معبدًا أثريًا أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 2008، ويقع على قمة جبل دونغريك، في منطقة تشكل الحدود الطبيعية بين كمبوديا وتايلاند.

(-) أسباب دينية: مع مرور الزمن، أصبح معبد "برياه فيهير" مركزًا روحيًا وسياسيًا، بعدما خُصص لعبادة الإله الهندوسي "شيفا". وقد استخدمه السامدات والديفارجا وملوك الإمبراطورية الخميرية لتثبيت سلطتهم الدينية والسياسية طوال فترة حكمهم التي امتدت لنحو سبعة قرون.

وتعود أهمية المعبد تراثيًا لثلاثة أسباب، كما وردت في موسوعة التراث العالمي، وهي: موقعه الطبيعي النائي بمنحدراته الصخرية الشاهقة المطلة على سهل شاسع وسلسلة جبلية مميزة، وهندسته المعمارية المتكيفة مع البيئة الطبيعية والوظيفة الدينية للمعبد، وأخيرًا الجودة الاستثنائية لزخارفه الحجرية المنحوتة.

ويُعد معبد "برياه فيهير" من المعابد الأولى والكبرى التي تؤكد مدى التزام ملوك الإمبراطورية الخميرية بالتقاليد الهندوسية في منطقة جنوب شرق آسيا، كما شكّل مركزًا دينيًا مهمًا يقصده الكهنة والباحثون عن التنسك والتقرب إلى الآلهة. ومع تحول كمبوديا لاحقًا إلى البوذية التيرافادية، أصبح المعبد بوذيًا، واستمر في أداء دوره الروحي رغم تغير الطقوس والمعتقدات.

ارتدادات النزاع

أدى النزاع الحدودي المتكرر بين تايلاند وكمبوديا حول معابد "برياه فيهير" إلى خسائر بشرية ومادية، فضلًا عن خسائر اقتصادية، على النحو الآتي:

(-) تضرر الدخل العام: تأثر الدخل العام في كلا البلدين بسبب توقف حركة التبادل التجاري النشطة عبر الحدود، إذ أدى الإغلاق المتكرر للمعابر الحدودية إلى عرقلة حركة البضائع والتبادل السلعي والأشخاص، ما انعكس سلبًا على الدخل العام والأفراد. وكان البلدان يستهدفان الوصول بحجم التبادل التجاري إلى نحو 15 مليار دولار، في وقت تعتمد فيه كمبوديا بشكل كبير على الواردات التايلاندية التي تغطي أكثر من 30% من احتياجاتها من السلع الأساسية، خاصة في قطاعي الطاقة ومواد البناء.

(-) النزوح الجماعي: ترتب على النزاع بين تايلاند وكمبوديا نزوح مئات الآلاف من سكان البلدين من المناطق الحدودية إلى مناطق أخرى أكثر أمانًا. ونتج عن هذا النزوح القسري خسائر متعددة، سواء جراء ترك المساكن ومصادر الرزق، أو بسبب تكاليف الإقامة الجديدة، فضلًا عن النقص الحاد في المياه والغذاء والمأوى.

وفي هذا السياق، أكد بيان منسوب إلى وزارة الداخلية الكمبودية، نشرته وسائل الإعلام في 21 ديسمبر الجاري، أن عدد النازحين قسرًا جراء القصف بلغ 518,651 شخصًا، تشكل النساء والأطفال الغالبية العظمى منهم بأكثر من 435 ألفًا. ويعيش هؤلاء أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة بعد اضطرارهم لترك منازلهم ومدارسهم. وذلك فضلًا عن الآثار المادية التي خلفها القتال، والتي شملت تدمير نحو 76 منزلًا وخمس مدارس، إضافة إلى مراكز صحية وأسواق ودور عبادة ومعابد بوذية وأثرية قديمة. كما طال الدمار مرافق حيوية، من بينها جسور خرسانية وفولاذية، ومكاتب جمركية، ومراكز زراعية، وفنادق، ومستودعات اقتصادية.

(-) تضرر القطاع السياحي: تأثرت السياحة في كل من تايلاند وكمبوديا. ففي تايلاند، يسهم قطاع السياحة بنحو 17.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وحققت بانكوك إيرادات سياحية أجنبية شكّلت 14.71% من الناتج المحلي الإجمالي و11.98% من إجمالي التوظيف عام 2024، وبلغت هذه الإيرادات نحو 16 مليار دولار خلال الشهور الأولى من العام.

أما في كمبوديا، فيُعد قطاع السياحة أحد الأعمدة الأربعة التي يقوم عليها الاقتصاد، إلى جانب صادرات السلع الزراعية والأحذية والملابس وقطاع البناء. وبلغت مساهمة القطاع نحو 9.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما وصلت إيراداته إلى نحو 3.6 مليار دولار عام 2024.

(-) احتمالات أزمة إقليمية أوسع: يثير التصعيد العسكري والدبلوماسي بين تايلاند وكمبوديا مخاوف من تطوره إلى أزمة إقليمية أوسع، لا سيما أن المنطقة تعاني أصلًا من توترات جيوسياسية معقدة، تشمل نزاعات في بحار ومضايق استراتيجية، من بينها بحر الصين الجنوبي والشرقي، فضلًا عن نزاعات حدودية أخرى، إلى جانب حالة الاستقطاب بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، والمعسكر الشرقي بقيادة الصين.

انعكاسات الصراع

بالتأكيد، يحمل النزاع بين تايلاند وكمبوديا انعكاسات متعددة، نظرًا لتشابك تحالفات البلدين الإقليمية والدولية، ما قد يؤدي إلى تجاوز تأثيراته الإطار الثنائي ليشمل محاور أوسع:

(-) تقويض استقرار رابطة الآسيان (ASEAN): يُعد النزاع اختبارًا حاسمًا لقدرة رابطة دول جنوب شرق آسيا على إدارة النزاعات بين أعضائها. فاستمرار المواجهات من شأنه تقويض مبادئ الوحدة والتضامن التي تقوم عليها الرابطة، ويكشف محدودية الأطر الإقليمية في احتواء النزاعات، ما يضعف مصداقية الآسيان كفاعل دبلوماسي قادر على ضمان الاستقرار والأمن في المنطقة.

(-) زعزعة الأمن البشري والحدودي: أدى استمرار المواجهات العسكرية العنيفة بين كمبوديا وتايلاند إلى سقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين على الجانبين، وإجبار مئات الآلاف من السكان في المناطق الحدودية على النزوح، ما أوجد أزمة إنسانية متفاقمة، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إغلاق المعابر الحدودية وتعطل الأنشطة التجارية.

(-) التدخل الجيوسياسي للقوى الكبرى: في ظل غياب حل نهائي لمسألة ترسيم الحدود، يُتوقع أن يتحول النزاع إلى نقطة ارتكاز في التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين. فتايلاند تُعد حليفًا تقليديًا لواشنطن، وترتبط معها باتفاقيات عسكرية وتجارية متعددة، بدءًا من توقيع اتفاق مانيلا وحلف "السياتو" عام 1954، وصولًا إلى اتفاقية التعاون بشأن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية (اتفاقية 123)، التي وُقعت في بانكوك في يناير 2025.

في المقابل، تُعد كمبوديا حليفًا محوريًا للصين في المنطقة، وترتبط معها بشراكة استراتيجية شاملة تركز على مفهوم "مجتمع المصير المشترك"، وهي اتفاقية إطارية أُقرت في أبريل 2025 لتعزيز التعاون الشامل والتبادلات الشعبية والثقافية. ويضاف إلى ذلك اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين (CCFTA)، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، ومبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن اتفاقيات تعاون في مجالات الزراعة والحد من الفقر والتعاون الأمني والتشريعي، واتفاقيات توأمة بين مدن صينية وكمبودية. وتُعد الصين أكبر شريك تجاري وأكبر مصدر للاستثمار بالنسبة لكمبوديا، وفقًا لتقارير مجلس كمبوديا للتنمية.

في النهاية، يمكن القول إن الأحداث الأخيرة بين كمبوديا وتايلاند تزيد من هشاشة أي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وتقلل من فرص استدامته. ومن المرجح أن يشهد النزاع موجات تصعيد متقطعة يعقبها تدخل إقليمي أو دولي لفرض تهدئة مؤقتة، في ظل بقاء جذور الصراع قائمة. وسيظل هذا النزاع كامنًا وقابلًا للانفجار ما دامت مسألة ترسيم الحدود بين البلدين غير محسومة بصورة نهائية.