على عمق نصف ميل داخل جبال شمال النرويج، تجري بريطانيا وحلفاؤها الأوروبيون تدريبات عسكرية استثنائية للاستعداد لمواجهة محتملة مع موسكو. حيث توجه المخططون العسكريون البريطانيون إلى مدينة بودو النرويجية الواقعة في الدائرة القطبية الشمالية لمحاكاة ردود الفعل المناسبة، إذا قررت روسيا شن أنشطة عدائية على حدود الدول الأوروبية، بحسب صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
سيناريو الحرب الهجينة
تدور المناورات حول سيناريو افتراضي يبدأ بعد عام من وقف إطلاق النار في أوكرانيا، إذ يواجه قادة دول الشمال والبلطيق اضطرابات مدنية موالية لروسيا داخل دولة مجاورة.
وزُوِّد وزراء الدفاع والجنرالات بتقارير إخبارية ومعلومات استخباراتية متقطعة ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لاتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب.
وليست التدريبات افتراضية بحتة، إذ شهدت المنطقة هجومًا غامضًا على كابل بحري في بحر البلطيق العام الماضي، إضافة إلى انتهاكات طائرات مسيّرة وطائرات روسية للأجواء الأوروبية، وزيادة أعداد السفن الروسية التي تهدد المياه البريطانية، ما يسلط الضوء على هشاشة منطقة "الشمال الأقصى".
التحالف البريطاني وتحدياته
أسست بريطانيا بعد السيطرة الروسية على القرم عام 2014 "قوة الاستجابة السريعة المشتركة" المكونة من 10 دول لقيادة الاستعدادات الدفاعية في الجناح الشمالي الأوروبي.
وأوضح وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الذي شارك في المناورات، لـ"بوليتيكو" أثناء رحلته من النرويج إلى فرنسا، أن "هذه الدول تتعامل مع التحديات الروسية بشكل يومي، فهي تجاور الوجود العسكري الروسي مباشرة"، مضيفًا أنها الأكثر قدرة على تقييم المخاطر والاستجابة للتهديدات وربط حلف الناتو بأخذ الأمر بجدية أكبر.
تتميز هذه القوة بقدرتها على الحركة الفورية والتدخل السريع، بينما تحتاج آلية عمل حلف الناتو إلى وقت أطول بكثير بسبب ضرورة الحصول على موافقة جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة.
ويعتبر الحلفاء الشماليون أن هذه القوة تمثل الخيار الأمثل لمواجهة أساليب القتال الحديثة والتقنيات العسكرية المتطورة التي تقع في منطقة رمادية بين السلم والحرب، فيما يعرف بـ"عمليات المنطقة الرمادية" أو الحرب الهجينة.
وفي هذا السياق، أشار اللواء جيرت لاج ديندال من القوات النرويجية خلال حديثه لـ"بوليتيكو" إلى أن بلاده تدرك جيدًا طبيعة هذه التهديدات، مستشهدًا بحادثة تدمير خطوط أنابيب الغاز "نورد ستريم" التي تربط روسيا بألمانيا عام 2022، إلى جانب التحليقات المتزايدة للطائرات المسيّرة واستهداف ممرات الملاحة البحرية، وكلها أنماط جديدة من الصراع انتشرت في القارة الأوروبية مؤخرًا.
تساؤلات حول الفعالية
على الرغم من النجاح البريطاني في بناء إطار تحالفي متكامل لتأمين منطقة الشمال الأقصى، إلا أن خبراء ومحللين يرون أن أداء هذه القوة لا يرتقي إلى المستوى المطلوب في ظل تصاعد التوترات الأمنية.
وبينما كانت هذه القوة تحظى باهتمام كبير من حكومة المحافظين السابقة، خاصة في عهد رئيس الوزراء الأسبق ريشي سوناك ووزير دفاعه بن والاس اللذين اعتبراها إنجازًا استراتيجيًا مهمًا، شدد جرانت شابس وزير الدفاع السابق على ضرورة "الحفاظ على الزخم وعدم التراجع".
وبينما تركز حكومة حزب العمال الحالية جهودها على دعم أوكرانيا عبر "تحالف الراغبين" الذي تقوده بريطانيا وفرنسا، قال أنتوني هيرون نائب رئيس معهد القطب الشمالي إن "الأصول البحرية والجوية المخصصة للشمال الأقصى محدودة، والأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقطب الشمالي تتطلب خيارات صعبة لكن واضحة بشأن تخصيص الموارد".
أما إد أرنولد الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فكان أكثر صراحة بقوله إن القوة "لم تتمكن من توضيح هدفها بوضوح" وتحتاج إلى "استعادة عافيتها"، داعيًا إلى استراتيجية طويلة المدى تمنحها الموارد والاهتمام المخصص حاليًا لتحالف الراغبين.
سباق كاسحات الجليد
يشكل الاستثمار في كاسحات الجليد عنصرًا حاسمًا لتعزيز وجود الحلفاء في الشمال الأقصى، خاصة مع ذوبان الجليد القطبي الذي يفتح بحارًا كانت مغلقة سابقًا ويثير منافسة جديدة على الوصول إلى المعادن، بمشاركة الصين والولايات المتحدة.
وتمتلك روسيا حوالي 50 كاسحة جليد، 13 منها على الأقل قادرة على العمل في القطب الشمالي، وسبع منها نووية، بينما تمتلك الصين خمس كاسحات صالحة للعمل القطبي.
وحذر ديندال من أن "روسيا تعيش في القطب الشمالي، ونرى الصين تتقدم وتتعلم من خلال أبحاث ونشاطات قطبية أكثر منا، ونحن بحاجة للتقدم في الجانبين الأوروبي والأمريكي لنتعلم كيف نعيش في البحار القطبية المغطاة بالجليد".
ورغم عدم وجود خطط بريطانية وشيكة لاقتناء كاسحة جليد، يؤكد المسؤولون البريطانيون أن بلادهم تقدم خبراتها البحرية والجوية للتحالف.
لكن مسؤولًا عسكريًا رفيع المستوى حذر من خطر تفويت بريطانيا للفرصة إذا لم تقنع حلفاءها بشراء معدات الطقس البارد البريطانية مع تزايد ميزانيات الدفاع، بينما دافع هيلي عن التزام بلاده قائلًا إن "مستوى الاعتراف والاستعداد لمتابعة بريطانيا من قبل وزراء الدفاع كان قويًا جدًا"، مشيرًا إلى استمرار التخطيط لمناورات عسكرية إضافية.