في موقع سري شديد التحصين، وبإجراءات أمنية صارمة، تكشف أوكرانيا عن جانب خفي من معركتها المستمرة، حيث تعمل على تسريع وتكثيف إنتاج أسلحة محلية متطورة. ومن بين هذه الأسلحة صاروخ كروز يُعرف باسم ، الذي يمثل نموذجًا واضحًا لمساعي كييف للاعتماد على التصنيع المحلي بالكامل، بعيدًا عن الدعم الخارجي.
موقع سري
قاد مسؤولون أوكرانيون صحفيين من شبكة "بي بي سي"، معصوبي الأعين، إلى موقع غير معلن، في مؤشر على مستوى السرية المحيط بإنتاج صاروخ كروز الأوكراني "فلامينجو". وطُلب من الزوار إغلاق هواتفهم بالكامل، في ظل إجراءات أمنية مشددة تعكس حساسية المشروع.
وداخل المصنع، فُرضت قيود صارمة على التصوير، شملت منع تصوير الأعمدة أو النوافذ أو الأسقف، إضافة إلى حظر إظهار وجوه العاملين على خط التجميع. إذ تمر صواريخ فلامينجو داخل المنشأة بمراحل متعددة من التصنيع والإنجاز.
وحسب "بي بي سي"، تؤكد هذه الإجراءات أهمية تشتيت وإخفاء مواقع إنتاج الأسلحة بالنسبة لأوكرانيا، خاصة بعد تعرض مصنعين تابعين لشركة "فاير بوينت" المصنعة للصاروخ لهجمات سابقة.
تصنيع محلي
يقول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده تنتج حاليًا أكثر من 50 بالمئة من الأسلحة التي تستخدمها على خط المواجهة، كما أن معظم مخزونها من الأسلحة بعيدة المدى بات يُصنع محليًا.
وفي بداية الحرب، اعتمدت أوكرانيا بشكل أساسي على ترسانة تعود إلى الحقبة السوفيتية، قبل أن يسهم الدعم العسكري الغربي في تحديث قواتها المسلحة. ومع ذلك، برزت البلاد لاحقًا كإحدى الدول الرائدة عالميًا في تطوير الأنظمة غير المأهولة، مثل الروبوتات والطائرات المسيرة.
صاروخ فلامينجو
وتعد شركة "فاير بوينت" التي تقف خلف تطوير صاروخ فلامينجو واحدة من أكبر الشركات المصنعة للطائرات المسيرة والصواريخ في أوكرانيا، ويترجم شعارها اللاتيني إلى "إن لم نكن نحن، فمن؟".
وتعمل الشركة، وفق "بي بي سي"، على المساهمة في إضعاف آلة الحرب الروسية، لتبدو صغيرة الحجم أمام صاروخ فلامينجو العملاق، الذي أوضح أنه مطلي باللون الأسود وليس الوردي كما في النماذج الأولية المبكرة، في إشارة رمزية إلى استهلاك النفط الروسي.
يشبه الصاروخ في تصميمه صاروخV1 الألماني من الحرب العالمية الثانية، ويتكون من محرك نفاث كبير مثبت فوق أنبوب بطول حافلة لندن، وقد استخدم بالفعل في القتال، من دون أن تؤكد الشركة الأهداف التي تم ضربها.
ضربات عميقة
يصنف فلامينجو ضمن أسلحة الضربات العميقة التي ترددت الدول الغربية في تزويد أوكرانيا بها، ويقال إن مدى الصاروخ الجوال يصل إلى 3000 كيلومتر، وهو مدى قريب من صاروخ "توماهوك" الأمريكي، الذي رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تزويد أوكرانيا به.
تعد الضربات العميقة جزءًا حاسمًا من الحرب، والتي تهدف إلى استهداف اقتصاد الحرب الروسي في محاولة لإبطاء تقدم القوات الروسية. إذ يقول رئيس القوات المسلحة الأوكرانية، الجنرال أولكسندر سيرسكي، إن الضربات بعيدة المدى التي نفذتها أوكرانيا كلفت الاقتصاد الروسي أكثر من 21.5 مليار دولار خلال العام الجاري، مشيرًا إلى أن أوكرانيا تتوسع بسرعة كبيرة رغم القيود.
قتال العقل
تؤكد إيرينا تيريك، كبيرة المسؤولين التقنيين في شركة "فاير بوينت"، أن أوكرانيا قد لا تستطيع مجاراة موارد روسيا، لكنها تحاول القتال بالعقل والتكتيكات. كما يقول دينيس شتيلرمان، كبير المصممين والمؤسس المشارك للشركة، إنه لا يوجد سلاح خارق، وأن العامل الحاسم في هذه الحرب هو إرادة الفوز. لم تكن الشركة موجودة قبل الحرب الروسية، لكنها تنتج اليوم نحو 200 طائرة مسيرة يوميًا.
نفذت طائراتFP1 وFP2 المسيرة، التي يبلغ حجم كل منها حجم طائرة صغيرة، نحو 60 بالمئة من الضربات الأوكرانية بعيدة المدى، وتبلغ تكلفة الطائرة الواحدة نحو 50 ألف دولار، أي أقل بثلاث مرات من تكلفة طائرة "شاهد" الروسية.
ولا تزال روسيا تنتج قرابة 3000 طائرة "شاهد" شهريًا، ما يوضح حجم التحدي الذي تواجهه أوكرانيا.
دعم خارجي
رغم التقدم في التصنيع المحلي، لا تزال أوكرانيا بحاجة إلى دعم خارجي، خصوصًا في مجالات الاستخبارات وتحديد الأهداف والتمويل، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.
وتتجنب الشركة استخدام مكونات من الصين والولايات المتحدة، وحول غياب المكونات الأمريكية، أوضحت تيريك أن العلاقة مع واشنطن تمر بحالة من التقلب، ما قد يعرض استخدام الأسلحة للخطر في حال توقف الدعم.
لم تعد الولايات المتحدة أكبر داعم عسكري لأوكرانيا، فيما تكافح أوروبا لسد الفجوة التي خلفها تراجع الدعم الأمريكي أو لمضاهاة مستواه السابق.
وترى أوكرانيا أن تصنيع أسلحتها الخاصة هو السبيل الوحيد لتقديم ضمانات أمنية حقيقية، وتأمل أن تراقب بقية أوروبا التجربة الأوكرانية وتتعلم الدروس.