حسم المحافظ المتشدد خوسيه أنطونيو كاست، الانتخابات الرئاسية التشيلية بفارق كبير، حاصدًا 58.2% من الأصوات مقابل 41.8% لمنافسته جانيت خارا من الحزب الشيوعي، بحسب ما أعلنته الخدمة الانتخابية التشيلية ونقلته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، ومع هذا الفوز يصبح كاست أكثر رؤساء تشيلي يمينيًا منذ سقوط أوجستو بينوشيه قبل 35 عامًا، ومن المقرر أن يتسلم مهامه، مارس المقبل.
معركة انتخابية
نجح كاست في استثمار المخاوف الشعبية المتصاعدة من تفاقم الجريمة المنظمة وموجات الهجرة غير الشرعية، التي اجتاحت تشيلي خلال السنوات الأخيرة.
وكشفت "فايننشال تايمز"، أن معدل جرائم القتل في البلاد تضاعف منذ عام 2015، مع استقرار عصابات إجرامية أجنبية قادمة من فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية الأخرى للمرة الأولى في أعقاب الجائحة، رغم أن تشيلي لا تزال من أكثر دول المنطقة أمانًا.
وفي السياق ذاته، عبّرت تيريزا جالارسي، فنانة من العاصمة سانتياجو، عن أملها في أن تنجح حكومة كاست في تحسين الوضع الأمني، قائلة لـ"فايننشال تايمز": "حين تشاهد الأخبار تجد دائمًا شخصًا مقتولًا أو عمليات سطو على السيارات.. هذا لم يكن يحدث هنا من قبل".
وأظهرت استطلاعات الرأي أن الأمن والهجرة يحتلان المرتبتين الأولى والثانية في قائمة اهتمامات الناخبين، خاصة بعد أن تضاعف عدد المهاجرين غير الشرعيين ثلاث مرات منذ 2021 ليصل 330 ألف شخص، معظمهم من فنزويلا.
أجندة متشددة
بنى كاست، النائب السابق الذي انفصل عن التيار المحافظ التقليدي في 2016، حملته الانتخابية على برنامج يميني يركز على القانون والنظام.
ووعد السياسي اليميني ببناء حاجز على الحدود الشمالية وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، محذرًا إياهم بضرورة مغادرة البلاد قبل توليه السلطة وإلا سيواجهون الاعتقال والترحيل.
وبلغت الأزمة حدًا دفع بيرو المجاورة إلى إعلان حالة الطوارئ، تحسبًا لأزمة هجرة محتملة، وأشارت التقارير المحلية إلى تدفقات متواضعة عبر الحدود.
كما تعهد الرئيس المنتخب بالتشديد على العصابات، من خلال تعزيز قوات الأمن وتغليظ الأحكام القضائية وظروف السجون، إضافة إلى خفض التنظيمات والضرائب لتحفيز النمو الاقتصادي.
ورغم اقتراب الأحزاب اليمينية من الأغلبية في الكونجرس التشيلي، يرى محللون أن بعض مقترحاته الأكثر تطرفًا، مثل خفض 6 مليارات دولار من الإنفاق العام، خلال 18 شهرًا، قد تواجه تخفيفًا في صياغتها.
من اليسار إلى اليمين
يمثل فوز كاست انقلابًا في المسار السياسي لتشيلي، منذ احتجاجات 2019 الجماهيرية، التي انطلقت احتجاجًا على غلاء المعيشة والنخب الحاكمة، وأطلقت نقاشًا وطنيًا حول النموذج الاقتصادي القائم على السوق الحرة، ومحاولتين فاشلتين لإعادة صياغة الدستور.
وهزم الرئيس اليساري السابق جابرييل بوريتش، كاست في انتخابات 2021، متعهدًا بإصلاحات جذرية لمكافحة عدم المساواة، لكن شعبيته تراجعت بشدة بسبب موجة الجريمة وعجزه عن تمرير معظم إصلاحاته.
وأشار روبرت فانك، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة تشيلي، إلى أن "الظروف في تشيلي أصبحت تتماشى مع خطاب كاست، لكنه أيضًا عدّل خطابه ليناسب واقع البلاد"، مشيرًا إلى تراجعه عن قضايا الحروب الثقافية في حملته الأخيرة، رغم أنه كاثوليكي متدين وأب لتسعة أطفال سبق أن دعا لإلغاء قوانين الإجهاض المحدودة وأثنى على الديكتاور السابق أوجستو بينوشيه.
تفويض واضح
وصف المحلل السياسي التشيلي باتريسيو نافيا، وفقًا لـ"فايننشال تايمز"، النتيجة بأنها "هزيمة قاسية لليسار" و"تفويض لا جدال فيه" لكاست، محذرًا: "لكنني آمل ألا يظن كاست أن تفويضه هو فرض آراء يمينية متطرفة.. التشيليون لا يريدون مزيدًا من التطرف لا من اليمين ولا من اليسار".
وبدا كاست واعيًا لهذا التحدي حين أعلن بعد فوزه أنه سيعمل "بلا كلل لاستعادة السلام والنظام والنمو والأمل"، موضحًا أنه سيستقيل من حزبه الجمهوري اليميني ليكون "رئيسًا لجميع التشيليين"، داعيًا أنصاره إلى إظهار "الاحترام" للخصوم السياسيين.