تحوَّلت بالونات عملاقة تحمل شحنات سجائر مُهرَّبة إلى مصدر توتر دبلوماسي وأمني بين ليتوانيا وجارتها بيلاروسيا، في ظل اتهامات متبادلة بشأن الدوافع الحقيقية وراء هذه الظاهرة المتصاعدة.
بالونات تهريب السجائر
تنطلق تحت جنح الظلام بالونات ضخمة من الأراضي البيلاروسية باتجاه ليتوانيا، مُحمَّلة بصناديق سجائر مُهرَّبة تصل قيمة الواحد منها إلى 3 آلاف دولار، ومُزوَّدة بأجهزة تتبع " جي بي إس" وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا تيليجراف" البريطانية، فإن هذه البالونات التي يمكنها الوصول لارتفاع 26 ألف قدم، تسببت منذ أكتوبر الماضي في إغلاق مطار فيلنيوس، ثاني أكبر مطارات منطقة البلطيق، تسع مرات متفرقة.
اعترضت السلطات الليتوانية ما لا يقل عن 550 بالونًا خلال العام الماضي، لكن وفقًا لموقع "بيلسات" الإخباري البلطيقي، فإن 28% فقط من البالونات يتم إسقاطها، ما يشير إلى أن العدد الفعلي للإطلاقات أعلى بكثير.
وتفاقمت المشكلة أخيرًا إذ وصلت البالونات لأول مرة إلى لاتفيا المجاورة، كما وردت تقارير عن عمليات إطلاق من كالينيجراد الروسية المحصورة بين ليتوانيا وبولندا.
اتهامات بالحرب الهجينة
تتهم ليتوانيا بيلاروسيا، ومن ورائها روسيا، بشن "هجوم هجين" متعمد يهدف لزعزعة الاستقرار واختبار نقاط الضعف في الدفاعات الجوية لحلف الناتو، وقال مسؤول ليتواني للتيليجراف إن "النظام البيلاروسي مسؤول عما نقيّمه كهجوم هجين يهدف لتعطيل أنشطة حكومتنا ومجتمعنا"، مشيرًا إلى أن "الأنشطة الحالية تُنفَّذ في السياق الأوسع لحرب روسيا العدوانية ضد أوكرانيا وتُمثّل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين".
من جهتها، تستند السلطات البيلاروسية إلى تصريحات تشير لعلمها بأنشطة المُهرّبين دون رغبة واضحة في إيقافهم، حسب ما ذكره المسؤول الليتواني.
ويرى الجانب الليتواني أن هذا التكتيك فعَّال تحديدًا لأنه يمكن إنكاره، حيث يمكن لمينسك وموسكو وصفه بأنه ينتمي إلى أعمال مجرمين صغار، على عكس الطائرات المُسيَّرة الروسية التي ضربت مدنًا أوكرانية بل ووصلت إلى بولندا في سبتمبر الماضي.
رؤية استراتيجية للتهديد المحتمل
يُحذّر إيتفيداس باجارُوناس، السفير الليتواني السابق لدى المملكة المتحدة، من أن المسألة أعمق من مجرد تهريب سجائر.
ويقول باجارُوناس، الذي أصبح باحثًا في مركز "سيبا" الأمني بعد تركه الحكومة: "يمكنك وصف الأمر بأنه مصمم في موسكو ومنفذ في مينسك، فنحن نعلم أن بيلاروسيا تنفذ إجراءات هجينة بموافقة موسكو على أقل تقدير".
ويضيف: "لوكاشينكو يعتمد كليًا على روسيا"، واصفًا الجيش البيلاروسي بأنه "جزء من الجيش الروسي" فعليًا.
ونظرًا للسيطرة التي يمتلكها لوكاشينكو، وبالتالي روسيا بالامتداد، على بيلاروسيا، "لا يمكنك تصور أن هذه الجريمة تحدث دون دعم الحكومة البيلاروسية"، حسب قوله.
ويرى باجارُوناس أن البالونات أكثر خطورة مما تبدو عليه: "إذا كنت تستعد للحرب، فأنت بحاجة لمعرفة أوقات رد فعل ليتوانيا. هذه البالونات ليست عسكرية، لكنها تختبر أوقات استجابة الناتو وردود فعل دفاعاته الجوية؛ إنها تبحث عن ثغرات في ليتوانيا وفي الناتو وفي الاتحاد الأوروبي"، مشيرًا إلى أن التأثير التراكمي للبالونات، عبر تعطيلها المستمر للرحلات وإثارتها للتنبيهات الجوية، قد يحقق فوائد داخلية للوكاشينكو، حيث "تتيح له هذه الاستفزازات منخفضة التكلفة تذكير الغرب بقدرته على الضغط عليهم".
مخاوف مستقبلية
يحذر المسؤولون الليتوانيون من أن البالونات، التي تحمل حاليًا سجائر فقط، يمكن تجهيزها مستقبلًا بكاميرات تجسس أو أجهزة حارقة مشابهة لتلك التي استخدمتها حماس في غزة ضد إسرائيل، أو حتى متفجرات.
وتكمن الصعوبة في التعامل معها بأنها غالبًا ما تكون مرتفعة جدًا لاستهدافها بالطائرات المسيرة أو الأسلحة النارية، وحتى لو أمكن ذلك، فهناك خطر سقوط حمولتها التي قد تصل لـ50 كيلوجرامًا على الأرض، ما قد يتسبب بإصابات أو وفيات.
ويشك باجارُوناس في أن الحرب الهجينة ستتراجع مع محادثات السلام الجارية بقيادة الولايات المتحدة بين روسيا وأوكرانيا، بل يتوقع أن تستمر حتى بعد اتفاق السلام، أو قد تتفاقم في حال صفقة سلام سيئة لأوكرانيا قد تشجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وتخشى إستونيا، دولة بلطيقية أخرى تشترك في حدود مع روسيا، من تعرضها لهجوم روسي بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، لاختبار ما إذا كان حلفاء الناتو مستعدون فعلًا للدفاع عنها.
سياق أوسع من التكتيكات الهجينة
لا تمثل البالونات حادثة معزولة، بل تأتي ضمن حملة روسية هجينة أوسع تشمل عمليات اختراق بطائرات مسيرة، وهجمات قنابل حارقة على مطارات أوروبية، وسلسلة من عمليات تخريب لمصانع وخطوط سكك حديدية توفر مساعدات لأوكرانيا.
وليست هذه المرة الأولى التي يُتهم فيها لوكاشينكو، بشن تكتيكات حرب هجينة نيابة عن روسيا، ففي عام 2021، أرسلت الحكومة البيلاروسية عشرات الآلاف من المهاجرين، معظمهم من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إلى حدودها مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا، في محاولة لإرباك حرس الحدود الأوروبيين، كما سمح في أوائل 2022 للجيش الروسي باستخدام جنوب بيلاروسيا كمنطقة انطلاق للغزو واسع النطاق لأوكرانيا.