جاء البيان الختامي والصادر عن قمة قادة مجموعة العشرين، التى انعقدت في مدينة جوهانسبرج بدولة جنوب إفريقيا، خلال الفترة من 22- 23 نوفمبر 2025، تحت شعار: "التضامن، والمساواة، والاستدامة"، بمشاركة ما يقرب من 42 دولة ومؤسسة، ليعكس تنوع مستويات التحديات التي لا زالت تواجه الاستقرار العالمي في ظل تنوع الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الدول النامية، وفي مقدمتها تحديات الديون العالمية، ومشكلات الأمن الغذائي، وتداعيات التغيرات المناخية على المجتمعات، وتباطؤ معدلات النمو، وضعف التمويل فى البنية التحتية للدول النامية، فضلًا عن تعدد الصراعات الدولية، وفي مقدمتها الصراع الروسي الأوكراني، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والمشكلات الإفريقية ومنها الصراع في السودان، والكونغو الديمقراطية. ولا شك أن تنوع التحديات التي تواجه الدول المتقدمة والنامية على حد سواء يدفع الدول الأعضاء في المجموعة إلى ضرورة تبني مقاربات أكثر واقعية تكون قادرة على مواجهة تلك الأزمات وتسويتها بدلًا من أن تظل البيانات الصادرة عن اجتماعات المجموعة أقرب إلى التوصيات من دون وجود آلية تُلزم أعضاءها بتنفيذها.
رسائل متنوعة
تبني البيان الختامي لقمة قادة مجموعة العشرين بجنوب إفريقيا العديد من الرسائل التي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) الحل السلمي للنزاعات الدولية: يُشكّل مبدأ الحل السلمي للنزاعات أحد أهم مبادئ القانون الدولي لتسوية النزاعات ما بين الدول، لذلك تناول البيان الختامي لقمة قادة مجموعة العشرين العمل على تحقيق سلام عادل ودائم في السودان وفلسطين وأوكرانيا والكونغو الديمقراطية. فوفقًا للمتحدث باسم رئاسة جنوب إفريقيا فنسنت ماجوينيا، خلال المؤتمر الصحفي فى نهاية أعمال القمة 23 نوفمبر 2025، فإن قادة مجموعة العشرين أقرّوا البيان الختامي في الجلية الافتتاحية، وإن اعتماد البيان جرى في مستهل أعمال القمة بدلًا من اعتماده في ختام الاجتماعات كما جرت العادة، مضيفًا أن البيان ركّز على الحل السلمي للنزاعات الدولية، وأن أربع قضايا استأثرت بحيّز بارز في مناقشات القمة، وهي الأوضاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، والأراضي الفلسطينية المحتلة وأوكرانيا. وتبنى البيان الدعوة إلى إنهاء الصراعات واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، معتبرًا أن استخدام القوة للاستيلاء على الأراضي يتعارض مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
(*) تنفيذ اتفاق باريس بشأن التغيرات المناخية: يشكل اتفاق باريس نقطة تحوّل مفصلية لمواجهة التغيرات المناخية وتداعياتها على الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. حيث توصلت الدول الأطراف في المؤتمر الـ 21 للأطراف في باريس عام 2015 إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لمكافحة التغيرات المناخية، وتسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لتحقيق مستقبل مستدام منخقض الكربون، للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، والحد من زيادة درجة الحرارة العالمية خلال هذا القرن إلى درجتين مئويتين مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى واحد ونصف درجة. وللمفارقة فإن الرئيس الأمريكي دونال ترامب، وإن كان قد قرر الانسحاب من اتفاقية باريس للتغيرات المناخية، حيث يشكك في أن الاحتباس الحراري ناجم عن الأنشطة البشرية، فإنه أعلن قبل انعقاد قمة قادة العشرين فى دولة جنوب إفريقيا عن عدم مشاركة أي مسؤول أمريكي في فعاليات القمة برغم أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتولى الرئاسة الدورية للقمة خلفًا لدولة جنوب إفريقيا في الفترة من ديسمبر 2025 حتى نوفمبر 2026. وبرغم ذلك فإن الببان أكد على أهمية أهداف اتفاق باريس للمناخ وأن الدول النامية بحاجه إلى ما بين 5.8 و5.9 تريليون دولار، وذلك لتنفيذ التزاماتها المناخية بحلول عام 2030 مع الدعوة إلى تعزيز تمويل التكيف وآليات الخسائر والأضرار. وهو الأمر الذي جعل البيت الأبيض ينتقد في 22 نوفمبر 2025 يتهم جنوب إفريقيا باستغلال رئاستها لمجموعة العشرين كسلاح لتقويض المبادىء المؤسسة لدول الـ 20 بعد أن أصدرت المجموعة إعلانًا بشأن تغير المناخ على الرغم من الاعتراضات الأمريكية القوية. في حين أشار رئيس جنوب إفريقيا رامافوزا حلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة إلى أنه يجب ألا نسمح لأي شيء بأن يقلل من قيمة ومكانة وتأثير أول رئاسة إفريقية لمجموعة العشرين، فيما صرح وزير خارجية جنوب إفريقيا رونالد لامولا بأن قمة مجموعة العشرين هذه لا تتعلق بالولايات المتحدة.. نحن جميعًا أعضاء متساوون في المجموعة.
(*) معالجة معضلة توفير الطاقة: تشكل أزمة الطاقة إحدى التحديات التي تواجه التنمية المستدامة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وتأتي الدول الإفريقية التي تستضيف فعاليات القمة على أراضيها في مقدمة الدول التي تعاني من توفير الطاقة سواء تلك اللازمة لإنارة المنازل أو المستخدمة في مجالات التنمية. لذلك أشار البيان إلى تلك المعضلة التي تواجه الدول الإفريقية كاشفًا عن معاناة أكثر من 600 مليون شخص في القارة لا يحصلون على الكهرباء فيما يفتقر أكثر من مليار شخص لوسائل الطهي النظيفة، وهو ما يتسبب في وفاة نحو مليوني شخص سنويًا.
(*) مواجهة أزمة الأمن الغذائي: وفقًا لتقرير التوقعات العالمية 2026 الصادر عن برنامج الأغذية العالمي، فإن ما يقرب من 318 مليون شخص سيواجهون مستويات الأزمة أو أسوأ جراء الجوع في العام المقبل أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في عام 2019. وقد تم تأكيد وقوع مجاعتين متزامنتين في أجزاء من غزة والسودان - وهو أمر كارثي يحدث لأول مرة خلال هذا القرن. ووفقًا لبيان قمة قادة العشرين فإن هناك ما يقرب من 720 مليون شخص يعانون الجوع حول العالم خلال عام 2025، وقد رفض البيان استخدام التجويع أسلوبًا في النزاعات المسلحة مع التشديد على ضمان الأمن الغذائي وتمكين النساء ونعزيز التنمية المستدامة.
والخلاصة إذا كانت مجموعة العشرين تعد من أبرز المنتديات العالمية الاقتصادية، والتي تشكل 6% من سكان العالم، و85% من الاقتصاد العالمي، فإن الرسالة الأهم هي ضرورة أن تضطلع دول المجموعة بدور مؤثر لمواجهة التحديات العالمية الحالية مثل التغيرات المناخية، وأزمة الطاقة، وانعدام الأمن الغذائي، وندرة الموارد المائية، وتزايد مستويات الديون العالمية، بما يتطلب تحسين بنوك التنمية متعددة الأطراف، وزيادة قدرتها على الدعم والإقراض، ومساعدة الدول النامية على الوفاء بالتزاماتها لمواجهة تحديات المناخ في إطار المسؤولية المشتركة التي تجعل جميع الدول تواجه مصيرًا واحدًا.