تشهد العلاقات الدبلوماسية بين جنوب إفريقيا والولايات المتحدة أزمة غير مسبوقة مع اقتراب انعقاد قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرج، بعد قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب مقاطعة القمة التي تستمر يومين بدءًا من غدٍ السبت، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول مستقبل التعاون الدولي ومكانة واشنطن على الساحة العالمية.
لغة دبلوماسية غير مسبوقة
رفضت جنوب إفريقيا بشكل قاطع المقترح الأمريكي بإرسال مسؤول صغير من السفارة للمشاركة في حفل تسليم رئاسة المجموعة إلى الولايات المتحدة التي ستستضيف القمة المقبلة في 2026 بمنتجع ترامب ناشيونال دورال ميامي في فلوريدا المملوك لمنظمة ترامب.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية في جنوب إفريقيا كريسبين فيري أن "الرئيس لن يسلم الرئاسة لمسؤول صغير من السفارة"، خاصة أن واشنطن لا تملك سفيرًا حاليًا في بريتوريا، ويتولى مارك ديلارد منصب القائم بالأعمال، بحسب ما نقلته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
ووصل التصعيد إلى مستويات غير مألوفة في اللغة الدبلوماسية عندما هاجمت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا شخصيًا، واصفة تصريحاته بأنها "غير لائقة" و"غير مقبولة" من جانب الرئيس الأمريكي وفريقه.
وشددت ليفيت على أن واشنطن لن تشارك في المحادثات الرسمية بالقمة، متهمة رامافوزا بالادعاء الكاذب بخلاف ذلك.
وكان الرئيس الجنوب إفريقي أعلن في مؤتمر صحفي أن أمريكا غيَّرت موقفها من المشاركة وأن الجانبين يناقشان شكل التمثيل الأمريكي، مؤكدًا في تصريحات سابقة أنه مستعد لتسليم الرئاسة لـ"كرسي فارغ" وأن الدول يجب ألا تتعرض للتنمر واحترام سيادتها.
جذور الأزمة والاتهامات المتبادلة
تأتي هذه المقاطعة في ظل توتر متصاعد استمر لأشهر، إذ تتهم واشنطن جنوب إفريقيا بالتمييز العنصري ضد الأقلية البيضاء من الأفريكانرز الذين حكموا البلاد خلال حقبة الفصل العنصري، وهو ما ترفضه بريتوريا بشدة.
ردود فعل غاضبة وتحذيرات
أثارت المقاطعة الأمريكية غضبًا واسعًا بين الجنوب إفريقيين الذين اعتبروها إهانة لبلادهم، كما حذَّر محللون من أن هذه الخطوة ستضر بالمكانة الدولية لواشنطن أكثر مما تخدمها، إذ قالت ماريسا لورينسو الخبيرة في المخاطر السياسية المقيمة في جوهانسبرج لـ"ذا جارديان": "بينما كانت دول مثل الصين أو الهند قد تتعرض للانتقاد على تصرفات معينة في الماضي، باتت الولايات المتحدة الآن هي التي يُنظر إليها كطرف غير معقول، لأنه أصبح واضحًا بشكل متزايد أن ما تفعله مع جنوب إفريقيا غير مدروس بالمرة".
أجندة طموحة لأول رئاسة إفريقية للمجموعة
تعتز جنوب إفريقيا بشدة بكونها أول دولة إفريقية تترأس مجموعة العشرين التي تأسست عام 1999 عقب الأزمة المالية الآسيوية كبديل أوسع لمجموعة السبع، وتقدم نفسها كبطلة للقضايا الحيوية للقارة مثل مستويات الديون العامة المرتفعة وكيفية الاستفادة القصوى من الطلب المتزايد على "المعادن النادرة" المستخدمة في التقنيات الخضراء والموجودة بكثرة في المنطقة.
كما تشمل أولويات بريتوريا زيادة التمويل للانتقال العادل للطاقة بعيدًا عن الوقود الأحفوري مع الحفاظ على سبل العيش الاقتصادية، وتحسين مرونة الكوارث والاستجابة لها.
وكلف رامافوزا لجنة مستقلة بقيادة الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيجليتز بدراسة عدم المساواة العالمية، والتي كشفت عن أن أغنى 1% في العالم استحوذوا على 41% من كل الثروات المتولدة بين 2000 و2024، بينما حصل أفقر 50% على 1% فقط.
وأوصت اللجنة بتشكيل هيئة مستقلة لتجميع البيانات والأبحاث حول عدم المساواة وتقييم فعالية السياسات لمعالجتها، وهو ما دعمه رامافوزا والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز في مقال بصحيفة فايننشال تايمز.
وأكدت الخبيرة الاقتصادية جاياتي جوش عضو اللجنة أن "تركز الثروة في تزايد، وعدم المساواة في الدخل هو نتيجة لذلك، لكننا وجدنا أن عدم المساواة في الثروة ربما يكون المشكلة الأكبر لأنه يولد أيضًا عدم مساواة أكبر في السلطة".
فيما أشارت ويني بيانيما المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز إلى أن الهيئة المقترحة يمكن تشكيلها دون قرار من مجموعة العشرين أو مشاركة أمريكية.