الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

رغم الحرب والدمار.. أوائل الثانوية بغزة يروون قصص تفوقهم من تحت الأنقاض

  • مشاركة :
post-title
أوائل الثانوية العامة في غزة

القاهرة الإخبارية - ياسمين يوسف

كتب شاعر القضية محمود درويش «سأقْطعُ هذا الطَّريق الطويل، وهذا الطريقَ الطويلَ، إلى آخِره»، من قلب تلك الأبيات يعيش أهل غزة في إصرار صلب على الحياة، ورغم العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وبين الركام والنزوح والمجاعة وانعدام المقومات الأساسية للحياة، كان النجاح ضوءًا خافتًا في نهاية النفق الطويل، لطلاب الثانوية العامة من الغزيين الذين شقّوا طريقهم التعليمي رغم كل الظروف القاهرة، وهؤلاء الطلبة لم يكونوا مجرد ناجين، بل جسّدوا إرادة لا تلين، وأثبتوا أن روح الحياة يمكن أن تنبت حتى في أكثر البيئات قسوة.

وقد اختار أوائل الطلبة أن يوجّهوا رسائل شكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تعبيرًا عن تقديرهم للدور المصري في جهود وقف إطلاق النار، الذي جعلهم يحتفلون بنجاحهم، وتأكيدًا على مشاعر الامتنان التي يحملها الغزيون تجاه القاهرة، وذلك خلال حديثهم إلى موقع قناة "القاهرة الإخبارية".

صلابة جيل جديد
سارة مروان الدحدوح

الطالبة سارة مروان عبد الرحمن الدحدوح (18 عامًا)، الأولى على طلاب الثانوية العامة شعبة علمي، تمثل نموذجًا لصلابة الجيل الشاب في غزة.

نزحت من منطقة تل الهوى في مدينة غزة إلى دير البلح في الوسطى، واستطاعت رغم النزوح المتكرر أن تواصل دراستها من خيمة عبر الاشتراك في منصات تعليمية، وكانت تتابع دروسها المسجّلة متى توافر الإنترنت، وهو أمر لم يكن ميسرًا في معظم الوقت.

أما دعاء بسام، تعيش في المنطقة الوسطى بقطاع غزة، وهي الأولى على طلاب غزة شعبة الأدبي بمجموع 99.7%، فقد أبدت سعادتها البالغة بتفوّقها رغم ما وصفته بظروف "يصعب حتى وصفها"، موضحة أنها أنهت دراستها الثانوية خلال عامين عاشتهما في قلب المعاناة اليومية، بين القصف والمجاعة والاستهداف المستمر.

مضيفة أن تفوقها "شعور لا يوصف"، خاصة أن التخرج جاء بعد سنتين من المعاناة تحت وطأة الحرب والقتل والإبادة. واعتبرت نجاحها "فخرًا يرفع رأس كل من وقف إلى جانبها وساندها".

أما الطالب إبراهيم سامي خليل شعث (18 عامًا)، الثاني على طلاب الثانوية العامة شعبة العلمي، فقد تحدث لموقع قناة "القاهرة الإخبارية" عن رحلة نجاح وصفها بأنها "ولدت من رحم التحدي". قال: "مررنا بظروف صعبة للغاية من قصف ونزوح ودمار وجوع، فضلًا عن الإرهاق وفقدان الأحبة الذي شكّل تهديدًا كبيرًا لنجاحنا"، وأوضح أن التفوق جاء بعد سلسلة طويلة من النزوح، حيث كانت أسرته تتلقى أوامر الإخلاء باستمرار، ما أجبره وزملاؤه على تغيير مكان سكنهم ودراستهم مرات عدة.

كذلك، يروي الطالب عبد الرحمن مصطفى العنابي (18 عامًا)، الحاصل على المرتبة الثانية على مستوى غزة والأول على مديرية شرق خان يونس بمعدل 99.4% الفرع العلمي، تفاصيل مماثلة: "استطعت التغلب على ظروف الحرب برغم النزوح المتكرر الذي تجاوز 5 مرات خلال فترة دراستي وبرغم هدم بيتنا واستشهاد بنت عمتي تحت الأنقاض والمجاعة التي مررنا بها".

تعليم وسط الركام

يشير الطالب إبراهيم شعث إلى الصعوبة البالغة في تأمين مصدر تعليمي ثابت ما شكّل صعوبة كبيرة، فقد بدأت الدراسة من خلال مبادرات تعليمية في مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، قبل أن تضطر عائلته للنزوح مرة أخرى. يصف الأمر بقوله: "سجلت في مبادرة، ثم اضطررنا للنزوح، وعدنا فسجلت في أخرى، ثم نزحنا مجددًا". هذه التنقلات القسرية جعلته يعتمد بشكل كبير على الدروس المتوفرة على منصة يوتيوب، إضافة إلى الاجتهاد الذاتي في بعض المواد. ولم يتسن له أخذ دروس خصوصية في مواد مثل اللغة الإنجليزية والرياضيات والفيزياء إلا بجهد مضاعف.

ومثل زملائها، توضح الطالبة دعاء مسلم أنها اعتمدت بدرجة كبيرة على الإنترنت الذي كان متقطعًا ومعرضًا للانقطاع الطويل بسبب تدمير البنية التحتية. وكانت تذهب إلى مقاهٍ توفر اتصالاً أسرع، رغم تعرض هذه الأماكن للقصف، وتقول: "كنت أضطر للذهاب إلى مقهى يتوفر لديه خدمة إنترنت، وصراحة كان من الصعب جدًا طباعة الكتب الدراسية بسبب تكلفتها الباهظة".

وأضافت: "من الصعب أن تجلس في مكان للدراسة وبينما القصف يدوي بجانبك. كنت أعد جدولًا للدراسة، لكن بمجرد وقوع قصف، يضيع كل ما خططت له. كنت أقوم بما عليّ، لكن اليوم كان يسير بالكامل وفقاً للظروف القائمة".

أما الطالب عبد الرحمن العنابي وبمشاعر مفعمة بالفرح والسرور، فقد تلقى نتائج امتحاناته داخل خيمة مهترئة في خان يونس لا تقيه حر الصيف ولا برد الشتاء، وكانت تغرق بالأمطار شتاءً وتتحول إلى بيئة شبه غير صالحة للعيش. ومع ذلك، ظل متمسكًا بدراسته حتى النهاية.

نزوح ومجاعة

كان النزوح أصعب التحديات التي واجهتها "سارة" التي تأمل أن تصبح طبيبة جراحة، قائلة: تسببت الحرب في نزوحنا أكثر من 6 مرات، فالطلاب يحتاجون إلى الاستقرار للدراسة، مشيرة إلى المدارس التي أصبحت ركام وغياب التعليم المباشر".

كذلك أوضح "شعث" أن "كثرة النزوح وأوامر الإخلاء كانت التحدي الأكبر، فضلا عن أزمة الغذاء والتركيز، إذ عانينا خلال فترة المجاعة من شبه انعدام في التركيز، وبالتالي أثر ضعف التغذية على قدرتي الذهنية".

ويروي متأثرًا: "أثناء ذهابي للدروس الخصوصية، كنت أشعر بدوار غير طبيعي، وأصل إلى الأستاذ مشتت الذهن، لأجد الأستاذ نفسه يعاني من الإرهاق وعدم القدرة على التركيز".

أما عبد الرحمن، فسرد أنه "خلال فترة دراستي للثانوية العامة وبسبب غياب المدارس ورغم الظروف الصعبة التي مررنا ونمر بها أعتمدت على الله ثم على نفسي في الدراسة وكنت أقطع مسافات بعيدة حتى أحصل على بعض المعلومات رغم ضعف الإنترنت".

دراسة تحت التهديد

كان انقطاع الكهرباء والإنترنت من أصعب التحديات التي واجهها الطلاب في غزة. الأمر الذي أجبر "دعاء" على المخاطرة بحياتها والتوجه بشكل متكرر إلى المقاهي التي توفر الإنترنت، رغم استهدافها وقصفها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، قائلة: "إنه كان هذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى حلمي".

كان الفرح بالتفوق منقوصًا بالنسبة لـ"دعاء" بسبب غياب والدها الذي يتلقى العلاج حاليًا في مصر الذي لطالما أثنى على جهود المستشفيات المصرية في استقبال الجرحى الفلسطينيين وحُسن معاملتهم.

لم تكن الآثار النفسية أقل قسوة؛ فقد تزامنت فترة الدراسة مع فقدان "شعث" لعدد من أقاربه وأصدقائه، بينهم ابن خالته الذي وصفه بأنه "أخ وصديق عزيز". لكنه تمسك بالعزيمة وحاول النهوض والتخطيط ليكون هذا النجاح إهداءً له.

أمل التعليم في مصر

عبرت سارة الدحدوح عن حبها الشديد لمصر، واصفة أنها كانت لها دور كبير في إنهاء الحرب على غزة ومعاناة السكان، وأشارت إلى الدورين المادي والمعنوي وحُسن استقبال الجرحى وتوفير الخيام للنازحين، وطالبت بخروجها وأسرتها من قطاع غزة.

وقالت سارة: "أود استكمال تعليمي الجامعي في جامعات مصر العريقة، إذ سيظل التعليم في غزة إلكترونيًا، ولا تزال جامعات القطاع غير مستعدة لاستقبال الطلبة".

كما وجّه "شعث" رسالة شكر خاصة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، واصفًا الدور المصري بالراعي الرسمي لجهود وقف إطلاق النار.

وختمت دعاء حديثها بتوجيه شكر إلى مصر لاستضافة والدها، وأطلقت نداء إلى رؤساء الدول، داعية إلى مساعدتها في الحصول على منحة تعليمية تتضمن تسهيلات لمّ شمل عائلتها من جديد.

امتحانات الثانوية هذا العام أُجريت إلكترونيًا، حيث خُصّص لكل اختبار مدة ساعة ونصف للإجابة عن 40 سؤالًا بنظام الاختيار من متعدد، في تجربة وُصفت بأنها غير مسبوقة في ظروف حرب بهذا الحجم.