يواجه الدعم الأوروبي لأوكرانيا اختبارًا صعبًا بعدما كشف تحقيق ألماني استمر ثلاث سنوات عن تورط محتمل لوحدة عسكرية أوكرانية نخبوية في تفجير خطوط أنابيب نورد ستريم، في عملية وُصفت بأنها أكبر عمل تخريبي في التاريخ الحديث، وفقًا لتقرير مفصل نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
تحقيق دقيق يكشف الخيوط
كشفت الصحيفة الأمريكية أن فريقًا من المحققين الألمان عكف لمدة ثلاث سنوات على تتبع خيوط القضية من مقر الشرطة الاتحادية في بوتسدام قرب برلين.
وتوصل التحقيق، بحسب مصادر مطلعة نقلتها "وول ستريت جورنال"، إلى أن وحدة عسكرية أوكرانية متخصصة نفذت التفجيرات في سبتمبر 2022 تحت إشراف مباشر من القائد الأعلى الأوكراني آنذاك، الجنرال فاليري زالوجني.
وكان هدف العملية قطع إيرادات روسيا من النفط وتدمير علاقاتها الاقتصادية مع ألمانيا، وقد استخدم المحققون أساليب متطورة في التتبع، إذ راقبوا شركات تأجير القوارب والهواتف ولوحات السيارات.
وجاءت اللحظة الحاسمة عندما التقطت كاميرا مراقبة سرعة ألمانية صورة غير واضحة لأحد الغواصين الأوكرانيين، واستطاع المحققون باستخدام برامج التعرف على الوجه المتاحة تجاريًا تحديد هويته خلال دقائق، ومن ثمَّ الوصول إلى حساباته على مواقع التواصل ومواقعه المهنية، ما قادهم لمشتبه بهم آخرين.
أصدرت السلطات الألمانية مذكرات اعتقال بحق سبعة أشخاص، وهم ثلاثة جنود من الوحدة العسكرية الأوكرانية الخاصة وأربعة غواصين محترفين في أعماق البحار، وفق ما أوردته الصحيفة نقلًا عن مصادر مطلعة على القضية.
انقسام أوروبي حاد حول القضية
لم تلق جهود المحققين الألمان ترحيبًا من جميع الأطراف الأوروبية، إذ رفضت بولندا تسليم أحد المشتبه بهم إلى ألمانيا، بل تعاملت معه كبطل لتدميره مصدرًا حيويًا لتمويل آلة الحرب الروسية للرئيس فلاديمير بوتين.
وذهب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي شكك دائمًا في اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية، إلى حد السخرية من التحقيق قائلًا إن "المشكلة ليست في تفجير الخط، بل في بنائه أساسًا"، بحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال".
وكشفت الصحيفة أن الغواص الأوكراني الذي تتبعه الفريق إلى بولندا نُقل لاحقًا إلى أوكرانيا في سيارة بي إم دبليو سوداء تحمل لوحات دبلوماسية، قادها الملحق العسكري الأوكراني في وارسو.
ورفضت الحكومة الأوكرانية التعليق رسميًا، لكن مسؤولًا أوكرانيًا كبيرًا قال بشكل خاص إن كييف تصرفت بعد تحذير من الحكومة البولندية.
في المقابل، استغل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المعارض الغضب الشعبي من ارتفاع أسعار الطاقة التي رسختها التفجيرات، ويقود الآن حملة للمطالبة بوقف المساعدات لكييف، ما يشكل تهديدًا لركيزة أساسية من ركائز الدعم الغربي لأوكرانيا.
مطاردة دولية تنتهي بالقبض على القائد
ووفق الصحيفة، واجه المحققون في البداية تحديًا كبيرًا، إذ لم تتوفر لديهم سوى صورة من جواز سفر أوكراني يحمل اسمًا مستعارًا، وهي ممارسة معتادة في عمليات الأجهزة الأمنية الأوكرانية حسبما أكدت مصادر مطلعة للصحيفة الأمريكية.
كما أن صاحب الصورة لم يترك أثرًا رقميًا على منصات التواصل الاجتماعي، ولم تسجّل قواعد البيانات الأمنية الأوروبية أو الحليفة أي معلومات عنه.
خلال أحد اجتماعات الفريق الصباحية، توصل المحققون لفكرة بعدما طرح أحدهم سؤالًا: "أين يقضي الأوكرانيون عطلاتهم؟" ربما يكون المشتبه به سافر خارج الاتحاد الأوروبي.
وبالفعل، عثرت شرطة الحدود في دولة صديقة على تطابق، إذ سافر الرجل إلى هناك في رحلة عمل، ليحصل المحققون على نسخة من جواز سفره باسمه الحقيقي وتاريخ ميلاده، وتعرفوا عليه بأنه "سيرجي.ك" ضابط يبلغ من العمر 46 عامًا من قدامى المحاربين في جهاز الأمن الأوكراني، انضم إلى وحدة قوات خاصة في اليوم الأول للحرب مع روسيا وقاد وحدة دفاع جوي خلال معركة كييف في الأسابيع الأولى من الحرب.
وضعت الشرطة الألمانية ما يُعرف بـ"التنبيه الصامت" على جواز سفره، مصمم لإطلاق إنذار عند عبوره أي حدود أوروبية.
وفي 13 أغسطس الماضي، تلقوا إشعارًا بعبور سيرجي من أوكرانيا إلى بولندا، ثم تتبعوه عبر جمهورية التشيك وصولًا إلى إيطاليا، مستخدمين بيانات نظام رسوم الطرق وحجوزات الفنادق التي أجرتها زوجته عبر موقع سفر إلكتروني.
ألقت القوات الإيطالية القبض عليه بعد تسجيل وصوله إلى منتجع من البنجلات في بلدة سان كليمنتي التاريخية.
وعند مثوله أمام المحكمة في اليوم التالي، ظهر سيرجي أمام عدسات الصحفيين رافعًا أصابعه الثلاثة بإشارة تعبر عن الانتماء الوطني الأوكراني، في رسالة واضحة تحمل دلالات رمزية ترتبط بالهوية الوطنية لبلاده، ودافع محاميه ببراءته، لكن حتى لو كان من فجّر نورد ستريم، فإنه كان يتصرف كجزء من عملية عسكرية دفاعًا عن أوكرانيا وبالتالي هو محصن من الملاحقة القضائية.
معضلة دبلوماسية معقدة
من المتوقع أن تقرر المحاكم الإيطالية بحلول ديسمبر المقبل ما إذا كانت ستسلم المشتبه به لألمانيا.
وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن سيرجي دخل في إضراب عن الطعام منذ أكثر من أسبوع بسبب عدم توفير السجن لنظام غذائي نباتي وخالٍ من الجلوتين، وتقليص زيارات العائلة، وإذا أدى الإضراب إلى دخوله المستشفى، قد يتأخر تسليمه.
وأعدت الشرطة الألمانية بالفعل طائرة مخصصة لنقل سيرجي من إيطاليا إلى هامبورج للمحاكمة.
وحذرت الصحيفة من أن "تسليمه قد يكون نعمة ونقمة في آن واحد"، إذ يبدو أي جلسة استماع قانونية مؤكدة لزيادة التوتر بين أوكرانيا وألمانيا، الداعم المالي الأكبر لكييف والمورد لبعض أهم معداتها العسكرية المطلوبة، خاصة أنظمة الدفاع الجوي.
كما يتزايد الضغط السياسي على المستشار الألماني فريدريش ميرز، رغم أن مصادر مقربة منه قالت للصحيفة إنهم سيكونون قادرين على إدارة التداعيات محليًا رغم محاولات المعارضة قطع التمويل عن أوكرانيا، مشيرين إلى أن الجمهور الألماني اعتاد بالفعل على فكرة أن كييف وراء الهجوم، بما في ذلك من خلال تقارير سابقة لصحيفة "وول ستريت جورنال".
ومع ذلك، أشار مسؤولون كبار، وفق الصحيفة، إلى أن التداعيات الدبلوماسية للتفجيرات كانت ستكون أسهل على ألمانيا في التعامل معها لولا نجاح المحققين الكبير في بناء قضية قوية ضد أوكرانيا.
وأكدت الصحيفة الأمريكية، أنه يُنتظر أن تحسم قضية تسليم أخرى تتعلق بمشتبه به أوكراني في إيطاليا خلال الأسابيع المقبلة، ما يهدد بوضع دور كييف تحت المزيد من التدقيق العام.