يُعتبر السياسي الأمريكي البارز ديك تشيني، الذي رحل أمس عن عمر يناهز 84 عامًا، أحد أقوى نواب الرؤساء الأمريكيين وأكثرهم نفوذًا في التاريخ، إذ كان وزيرًا للدفاع في عهد الرئيس جورج بوش الأب خلال عملية "عاصفة الصحراء"، ثم نائبًا للرئيس في عهد بوش الابن خلال غزوي أفغانستان والعراق.
وليستحق لقب "الرئيس التنفيذي للعمليات" في إدارة بوش الابن -كما قيل مرارًا وتكرارًا في يوم رحيله- ترك تشيني إرثه الأطول والأكثر ظلمة، المتمثل في تغيير جانب كبير من الشرق الأوسط، ومنح الإدارات الأمريكية المتتالية ذرائع لتدخلات أخرى، ليكون هو من فتح "صندوق باندورا" الذي لم يُغلق بعد.
وتلفت شبكةCNN إلى أنه "ببساطة، لم يكن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، ولم يكن يجمعها ليستخدمها ضد أحد. ومع ذلك، كانت أسلحة الدمار الشامل المزعومة تلك ذريعةً لحرب تلاها احتلال باهظ التكلفة، أخرق، وثقيل، فتح بابًا مليئًا بالشر والدماء والتشريد والإرهاب والاستبداد. ولا يزال الباب مفتوحًا".
ورطة العراق
تشير CNN إلى أن الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة، والتي ساهم تشيني في التخطيط لها، "كانت رائعة من وجهة نظر أمريكية، كانت سريعة وحاسمة، إذ لم تستغرق القوات الأمريكية وقوات التحالف سوى عشرين يومًا لغزو العراق والوصول إلى بغداد".
لكن أيضًا "كان الاحتلال، الذي يتحمل تشيني بعض مسؤوليته أيضًا، كارثة. كانت إخفاقات ذلك الاحتلال كثيرة، تتعلق بالأمن والحكم والاقتصاد وتوفير الخدمات البلدية الأساسية".
بعبارة بسيطة، كان الأمريكيون قد وقعوا طواعية في موقف جهل تام، فقد كان صدام يعرف خصومه، لكن الأمريكيين وضعوا الجميع في خطر. لذلك برزت فضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" ببغداد، وصدمت صور المعتقلين العراقيين وهم يُجردون من ملابسهم ويُساء معاملتهم، التي نشرتها وسائل الإعلام، العالم.
وبينما أدان نائب الرئيس تشيني الذين يقفون وراء فضيحة التعذيب، دافع في الوقت نفسه عن أسلوب تعذيب "الإغراق بالماء" باعتباره "وسيلة مفيدة لاستخلاص معلومات استخباراتية حيوية".
أيضًا، إلى جانب الورطة الأخلاقية والتكلفة البشرية للمغامرات العسكرية الأمريكية الخارجية، كان هناك الضرر الاقتصادي الدائم للحروب التي كان تشيني من أشدّ المؤيدين لها. ووفقًا لمشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون، كلّفت الصراعات الولايات المتحدة 8 تريليونات دولار بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
وتشير CNN إلى أن "الأخطاء التي ارتكبها تشيني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يمكن ربطها بصعود تنظيم "داعش"، وعدم الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط، وأزمة المهاجرين، وعبء الديون الهائل (38 تريليون دولار وما زال الرقم في ازدياد) الذي يخيم على الاقتصاد الأمريكي".
تخطي الحدود
كان ديك تشيني هو الوجه العلني لنهج إدارة بوش الابن، والذي يتخطى الحدود في مجال المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية في الأعوام التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وباعتباره مؤيدًا صريحًا للسلطة التنفيذية الواسعة باسم الأمن القومي، وضع تشيني نفسه في قلب نقاش عام مثير للجدل حول الاحتجاز والاستجواب والتجسس، وهو نقاش لا يزال مستمرًا بعد عقدين من الزمن، حسب وكالة "أسوشيتد برس".
كان تشيني بلا شك أبرز الداعمين لقانون "باتريوت"، وهو القانون الذي صدر بالإجماع تقريبًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والذي منح الحكومة الأمريكية سلطات مراقبة واسعة النطاق. كما دافع عن برنامج التنصت الذي أطلقته وكالة الأمن القومي(NSA) دون إذن قضائي بهدف اعتراض الاتصالات الدولية للمشتبه بهم في الإرهاب في الولايات المتحدة، على الرغم من المخاوف بشأن شرعيته من جانب بعض الشخصيات في الإدارة.
وقتها، ادعى تشيني أنه "لو كانت مثل هذه السلطة موجودة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإنها كانت لتؤدي إلى القبض على اثنين من الخاطفين الذين قادوا طائرة نفاثة إلى البنتاجون".
ووفق "أسوشيتد برس"، لا تزال وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات الأمريكية تحتفظ بأدوات رئيسية لمواجهة الإرهابيين والجواسيس المحتملين، بما في ذلك خطابات الأمن القومي التي تسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالي(FBI) بإصدار أوامر للشركات بتسليم معلومات عن عملائها.
تسييس الاستخبارات
باعتباره مهندس الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، فقد سعى تشيني إلى دفع وكالات التجسس إلى البحث عن أدلة لتبرير العمل العسكري. وإلى جانب آخرين في إدارة بوش الابن، زعم تشيني أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كان يطور أسلحة دمار شامل، وأن له صلات بتنظيم القاعدة.
واستخدمت إدارة بوش الابن ذلك لترويج الحرب أمام أعضاء الكونجرس والشعب الأمريكي، على الرغم من أن هذا الادعاء كُذّب لاحقًا، حيث اعتُبرت المعلومات الاستخباراتية الخاطئة التي استُخدمت لتبرير غزو العراق بمثابة فشل كبير من جانب أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وإثباتًا على ما يمكن أن يحدث عندما يستخدم القادة المعلومات الاستخباراتية لأغراض سياسية.
وأدت حجج الحكومة بشأن الحرب إلى تغذية انعدام الثقة بين العديد من الأمريكيين، وهو الشعور الذي لا يزال يتردد صداه لدى البعض في إدارة ترامب.